Digital solutions by

رحل... وبقيت اغراضه

10 كانون الأول 2014 | 23:30

المصدر: (تصوير زياد القسيس)

يموت الرسام وتبقى اللوحة، يموت الكاتب ويبقى الكتاب، يموت الصحافي وتبقى الجريدة، يموت السياسي ويبقى الحزب، يموت المهندس ويبقى المنزل، يموت المحامي وتبقى القضية. أين العدل؟ يعود الانسان الى التراب ويترك وراءه أعماله وانجازاته وأغراضه.

ترك جبران تويني الكثير مثل القسم والحلم والشعلة وأشياء مادية ايضاً لها معان كبيرة مثل مبنى "النهار" ومكتبه واقلامه واغراض أخرى تخصه.
نعود الى منزله في بيت مري، والى مكتبه في "النهار" حيث الاشياء أكثر من ان تعد مثل قناني النبيذ التي حملت الارقام: 425 و1559 في اشارة الى القرارات الدولية. ترك مكتباً ومكاتب اصبحت تتزين بصوره، ويشعرك ولو عبر الصور انه يسهر علينا وعلى "النهار" من حيث هو...

في بيت مري كان منزل العائلة الذي أمضي فيه أعيادي وعيد الميلاد وعيد رأس السنة. تحول المنزل ذكرى أليمة، في الطابقة العليا اغراض جبران. نصعد الى فوق ونفتش عما تقع عليه عيوننا فنحس جبران...
هنا القلم من دون الكاتب. أقلام جفّ حبرها، لكن الكلمات التي خرجت منها ستبقى في أذهان الشباب. نرى الديوك في كل مكان، فقد أحب دائماً ديك "النهار" الذي يصيح ويصيح وربما يصيح أحياناً من شدة الألم. نرى قطع السلاح الذي لم يستعمل للعنف او للفتنة، بل السلاح القديم الذي كان يحب أن يجمعه، وكل قطعة تحمل قصة. نرى صور العائلة التي كان يحب أن يضعها في كل مكان فكان يملأ كل زاوية بصورة لكي يشعر بقربهم منه، ثم صور المسيح والعذراء والقديسين وكان يؤمن بأنهم يوفرون له الحماية دوماً وآمن انه لو قتل يوماً فإنها ساعة النهاية... كان يؤمن بأن الله ارسل ابنه المسيح كي يصلب وان لكل انسان رسالته وصليبه... والى صور السيارات والطائرات هوايته إذ كان يحب أن يقصد باريس حيث يقود طائرته الصغيرة... وهنا صور الخيول الاصيلة التي كانت هوايته ايضاً وليست صدفة أنه حتى في هوايته فتش عن الحرية والاستقلال والقوة الشموخ...
ندخل الى غرفته، نرى ساعاته... الزمن توقف في 12 كانون الاول 2005، لكن ساعات اوتوماتيكية ابت الرضوخ فأكملت مهمتها في تعداد الساعات والدقائق والثواني التي صرف جبران منها الكثير اتماماً لرسالته.
الوقت يمر وتنقضي الايام ولكن تبقى الذكريات وذاكرة التاريخ وارشيف الصورة وقوة الكلمة والاشياء، وفي كل هذه المجالات نجح جبران بحفر وجود يستمر.
يوجعك ان ترى القلم والسلاح ونظاراته ومكتبه فيما هو لم يعد هنا، تتساءل عن قيمة الانسان الفاني بسرعة تسابق الاشياء المادية، تبقى يزول، وتحزن.
ننزل الى مكتبه الذي استحدثه في الطبقة السفلى من المنزل وهو المكتب الاخير الذي جهزه في آب 2005 لكي يعمل من المنزل إثر التهديدات التي وصلته والتي لم تمنعه من معاودة النزول الى الجريدة فاغتيل على الطريق. في المكتب لم يبق الكثير، بعض الاوراق والاقلام والكتب. وفي الاخير نكتشف الايقونات التي كانت معه في السيارة يوم الانفجار. دقيقة صمت وتأثر. اتذكر ايقونة العذراء التي وضعها في سيارته صيف 2005، وهذه العذراء معروفة بالحماية وكانت كنيستها في باريس المفضلة لديه وكان يقصدها في كل رحلة. وايقونة مار مخايل وصورة للقديسة تيريزيا... كلها عادت من الانفجار. انها رموز ايمانية أراد أن ينقلها الينا، وهو درس لقننا اياه على الدوام: الايمان بالشباب، الايمان بلبنان، الايمان بالحلم والايمان بالله، فالذي يؤمن لا ينكسر ولا يخاف ولا يموت.
نزولاً من بيت مري الى "النهار" حيث مكتبه الاساس، حيث المكتب الخشبي الذي ورثه عن جده جبران، مؤسس "النهار"، وحيث كتب ثمينة، وصور تشي غيفارا وجون كينيدي، وحيث الميداليات والاوسمة ودروع التقدير التي نالها. هنا من هذا المكتب كان ينسق اشياءه كل صباح، فيعيد الى مكانه ديكاً أزاحته عاملة تنظيف، او كتاباً او حتى ورقة. كان يعتني بأموره. هنا السيجار، وهنا الأقلام، وهناك الديوك، بل هنا، وفي كل مكان.
هنا كانت نهاية الجولة على ما بقي، اشياء واشياء، تحرك المشاعر، فيمتزج الحزن بالاشتياق، بفرحة العثور على أشياء جديدة، وغضب دفين لأن صاحب هذه الاشياء لن يستعملها من جديد.

michelle.tueni@annahar.com.lb

Digital solutions by