Digital solutions by

هل "قوى 14 آذار" وفية لقسم جبران شعلة "ثورة الارز" لا تنطفىء

10 كانون الأول 2014 | 22:40

جبران وشهيب يحملان نعش سمير قصير.

خاض الشهيد جبران تويني طوال مسيرته، معارك سياسية ونضالية طويلة من اجل تكريس سيادة لبنان وحريته واستقلاله بعيداً من اي تدخل خارجي او تشتت داخلي، خصوصاً من خلال وقوفه في وجه "قوى الوصاية" التي عصفت بلبنان وعاثت في الارض خراباً وفساداً وارهقت اللبنانيين، فكان الصوت الصارخ ضد كل اشكال التدخل السوري وممارساته الوحشية.

بدأت المعركة بكتاباته ومقالاته التي لم تدوّر الزوايا او تخشَ تخطّي الممنوع، فعمل بقوة مدوّية على الدفاع بشراسة عن بلد الارز مؤكداً دوماً حرصه الشديد على ضرورة قيام دولة قوية مبنية على مؤسسات تحترم القوانين وتعتمد الديموقراطية والحرية اساساً لنظامها السياسي، دولة غير خاضعة إلا لارادة شعبها واهلها يكون للشباب فيها الدور الجوهري في تحقيق التغيير الايجابي بعيداً من منطق الزعامات والطوائف والقبائل اللبنانية والوراثة السياسية.
في 14 آذار 2005 عندما بدأ ربيع بيروت، أقسم جبران امام مئات الآلاف الذين رددوا معه الدعوة الى الوحدة والتضامن والعيش معاً دون الحاجة للعودة لمنطق الحروب او الاقتتالات او العنف الذي ساد لسنوات، فكان قسمه الشهير في ساحة الحرية الذي اضحى جزءاً لا يتجزأ من مسيرة ثورة الارز ومبادئها واخلاقياتها السياسية، فدخل التاريخ من الباب العريض متقدماً الطبقة السياسية التي على ما يبدو ما زالت غارقة في منطق المحاصصات والزواريب الضيقة.
اليوم وبعد ثلاث سنوات على استشهاده، ما هي الحال في حركة 14 آذار؟ هل حافظت على القسم؟ اين جبران تويني من تلك الحركة؟ وما كان دوره في تلك الثورة الاستقلالية التي دفعت اثماناً باهظة في سبيل الوصول الى الاستقلال الحقيقي للبنان؟
"نهار الشباب" سأل اصدقاء ورفاقاً لجبران رافقوه في نضالاته وعايشوا معه تلك المرحلة المفصلية في تاريخ البلاد: هل ما زالت قوى 14 آذار وفية لهذا القسم ولطريقته في مقاربة الامور والقضايا السياسية؟

مونان: وينك يا جبران؟
"كان كل يوم مع الطلاب ومع الناس الذين حرص على التواصل الدائم معهم، فشاركهم همومهم وتطلعاتهم، وفي كل نهار يمر لا يسعني الا ان اطرح السؤال التالي: وينك يا جبران؟ ماذا كنت لتقول في هذه القضية او تلك؟ وما هو الموقف الذي يمكن ان تتخذه بخصوص هذا الموضوع او ذاك؟"، هذا ما يقوله الدكتور باسكال مونان مدير قسم الاعلام والتواصل في جامعة القديس يوسف الذي تربطه بجبران صداقة وطيدة جمعت بينهما منذ اواسط الثمانينات. ويرى مونان ان الساحة السياسية في لبنان اليوم تفتقده لأن "الفراغ كبير وكبير جداً بدون ذاك الثائر على كل شيء، لأنه كرّس حياته للناس والشباب من خلال القلم والعمل على الارض ايماناً منه بمستقبل هذا الوطن، وعندما كنا نفقد الامل في كثير من المراحل الصعبة إبان الوصاية السورية وفترة الاغتيالات ولحظات الضعف، كان دائم التمسك بهذا الامل رافضاً الاستسلام او الاحباط آخذاً معه الشباب بقلبهم وعقلهم الى افكاره والى معركته الدائمة في سبيل تحرير لبنان. ولهذا لست قادراً على التكلم عنه بصيغة الماضي لأن الكلام عنه بالنسبة لي بمثابة التطلع الى المستقبل، الى التغيير، الى جيل تحمّل الكثير من الطاقم السياسي الموجود. لأن جبران الصحافي الملتزم غير الطائفي والمتعالي عن صغائر السياسة اللبنانية يمثل حالة استثنائية ويشكل رمزاً بالشكل والمضمون، جبران الذي اثبت نفسه منذ بداياته في "النهار العربي والدولي" في تلك التجربة الرائدة حيث جمع شباباً من "البيروتين" الغربية والشرقية، اضافةً الى نضالاته العديدة بوجه سلطة الوصاية كمحطة 7 و9 آب و"لقاء قرنة شهوان" والكتاب المفتوح والأكثر جرأة الذي وجهه الى الرئيس السوري بشار الاسد في العام 2000 ( ولو تمعّن الرئيس الاسد بتلك الرسالة لكانت حلّت العديد من المشكلات العالقة بين لبنان وسوريا )، مروراً بـ"نهار الشباب" الذي كان ولا يزال اطاراً مهماً يتلاقى فيه الشباب على اختلافاتهم وصولاً الى ممارسته المشرّفة في مجلس النواب حيث حمل صوت الناس الى قلب الحياة البرلمانية مطالباً بالديموقراطية الحقيقية وضرورة تصحيح اعوجاجها، وبين كل مواجهة واخرى كانت "النهار" تلعب الدور الرئيسي من خلاله، فتتحرك وتتصدى وتدافع عن الحقوق خصوصاً عندما كنا نقرأ افتتاحياته الصاخبة كل خميس، كنا نشعر بأنه ينطق بأحاسيسنا ومخاوفنا واوجاعنا، هذا هو جبران ولهذا اغتالوه".

نفتقد البوصلة...!
ويتحدث مونان عن دور جبران في حقبة الـ2004 الى حين اغتياله معتبراً انه كان محورياً ودافعاً للمضي قدماً بتلك الحركة الى النهاية " ففي عز ثورة الارز، لم يتوقع أحد ان ينسحب السوري من لبنان ولم نكن مستوعبين هذا التحول الكبير في السياسة الداخلية والدولية، حينها كان جبران يقول "الامور لن تبقى على حالها لأننا قررنا ان لا عودة الى الوراء مهما كلّف الامر وانا مؤمن ان انسحاب الجيش السوري سيتحقق"، فيما لم نكن نتصورعلى ماذا بنى هذا التوقع معتبرين انه مبني على الاحلام". ويضيف "وفي سلسلة المحاضرات التي القاها جبران مع التلامذة في المدارس والجامعات، كانوا يقولون له بصراحة ان لا شيء سيتغير رغم التحركات التي نقوم بها يومياً في ساحة الحرية ( منطالب ومنحكي ومنتحرّك، شو النفع ما في شي رح يتغيّر؟)، كان يجيبهم "على الأقل خلّوا الحلم موجود حتى يتحول حقيقة لأن اذا قتلتوا الحلم، ما رح فينا نحوّل شي مش موجود لحقيقة". وعن يوم 14 آذار يروي مونان "عندما انظر الى صور ذاك النهار العظيم، اتذكر نزول كل الناس من كل الطبقات والفئات، اتذكر صوت الشعب الهادر الرافض، اتذكر اندفاع الشباب وصرخاتهم التي ملأت الساحات، فجبران الذي رأى نجاح هذا التيار العفوي الجارف النابع من الناس ومن قلب الناس، نظر حينها الى وحدة الهدف: السيادة والحرية والاستقلال، وخروج الوصاية السورية، وبناء لبنان الواحد، هذا الهدف لخّصه بقسمه المطبوع في الذاكرة الداعي الى الوحدة الابدية بين اللبنانيين، بينما كان افرقاء آخرون (من قصد او من غير قصد) يحسبون ويقسمون هذا الدفق الشعبي على حساب مصالحهم ومشاريعهم غير مستفيدين من تلك اللحظة التاريخية ليعودوا الى لغة زرع التفرقة في القلوب وشق الصف الذي توحد بعد سنين من المعاناة، ولهذا بدأت المشاكل عندما حاول كل فريق ان يستغل هذا التفويض علماً ان الناس لم يعطوه لأحد، بل لسيادتهم وحريتهم ووطنهم، واخطأت قوى 14 آذار عندما بدأت الحسابات الفئوية تدخل اليها بعيداً من المصلحة العليا لثورة الارز، ولهذا فهي تفتقد البوصلة التي يمثلها جبران في توجيه الامور ووضعها في نصابها وحسمها، وبالتالي هي في حاجة للتعمق اكثر بفكره والالتزام بقسمه ومشاريعه والتماثل بممارسته السياسية".

شهيب: مين ما بيعرف جبران؟
عندما تدخل مكتب عضو "اللقاء الديموقراطي" النائب اكرم شهيب في مجلس النواب تستقبلك صورتان لجبران، الاولى وهو ينظر الى الافق. والثانية مع النائب شهيب يوم تشييع الشهيد سمير قصير حاملين نعشه على الاكتاف بجوار مبنى "النهار". هذه اللحظة لا تفارق شهيب الذي يسأل: "مين ما بيعرف جبران؟، جبران الصحافي الشاب، الاعلامي صاحب الرأي الحر، جبران السياسي الذي كان بمقالاته وخطاباته ومواقفه من ابرز الناشطين في ثورة الارز، لا بل كان رأس الحربة في مواجهة المشروع التدميري في لبنان. فكان النموذج الاوضح والاقسى والاجرأ والاكثر هجوماً في موضوع الوصاية السورية وممارساتها. ولهذا دفع حياته ثمناً لنضالاته وتضحياته من اجل مستقبل البلاد، ولهذا اغتالوه واسكتوا الكلمة الشجاعة لأنه كان يمكن ان يكون قائداً كبيراً مستقبلاً، وبالتالي عندما نتحدث عنه لا يسعنا الا ان نذكر فعاليته في انتفاضة الاستقلال في العام 2005 ان عبر الصحافة او عبر الجامعات وتواصله مع الطلاب والشباب من كل لبنان الذين كان يؤسس معهم قبل اعوام لثورة الارز، هؤلاء الشباب الذين رفعوا الاعلام في ساحة الحرية ووقفوا بوجه ابواق الوصاية والفتن وقالوا لا، جبران صاحب الكلمة الجريئة المستقلة المتحدية لكل المصاعب هكذا عهدناه في لقاء قرنة شهوان وبعدها "لقاء البريستول" قبل التمديد وبعده وعلى ابواب الانتفاضة حيث تعمقت اكثر معرفتي به، عرفناه مضيافاً في جريدة "النهار" لكل فريق "14 آذار" في تلك الايام، تلك الجريدة التي نقلها من موقع صحيفة سياسية يومية الى صحيفة مدافعة عن الاستقلال والسيادة، حينها كان يقود معالم المرحلة المقبلة ويحددها، فكان مع سمير قصير المحرّك الابرز لنشاطنا ومعركتنا من فكرة الابيض والاحمر، مروراً بصور الجنرالات الاربعة، وصولاً الى مسيرات الشموع والنساء باللباس الابيض، كان له الدور الاساسي فيها. ويضيف شهيب "كما في حياته وكما باستشهاده كان الصوت الاقوى ولا زال، ففي اغتياله توضحت الصورة اكثر، تبين من هو القاتل ومن هو المتآمر على لبنان بشكل كبير حيث حصل الانقسام والطلاق الكامل بين 8 آذار و14 آذار وصارت المحكمة الدولية وضرورة تحقيق العدالة اكثر الحاحاً وحاجةً من قبل".

اين قسم جبران وحلم 14 آذار؟
يعتقد شهيب ان قسم جبران هو الهدف الذي تسعى اليه القوى الاستقلالية في لبنان "اذ علينا ان نبقى موحدين في سبيل ما يحاك لهذا الوطن من مؤامرات، إن من العدو الاسرائيلي او من قبل النظام السياسي السوري الذي يظهر اليوم شهية واضحة ومفتوحة للعودة الى البلاد بطريقة او باخرى. وهذا القسم ان لم يتوحد الشعب اللبناني حوله فالمخاطر ستكون كبيرة في المستقبل، فهو يشكل بالنسبة لنا العنوان السياسي الذي يجب دائماً السير باتجاهه، اذ عندما نصر على الحوار وعلى ضرورة العودة الى المؤسسات ولغة العقل بعيداً عن التخوين والتهديد والوعيد نؤكد اهمية هذا القسم ومحوريته في عملنا السياسي". اما عن المساومات والتنازلات التي قامت بها "حركة 14 آذار" فيجيب: "عندما فقدنا مجموعة كبيرة من شهدائنا ومن بينهم جبران، كانت المحكمة هي الهدف، وكانت هناك مؤامرة كبيرة على لبنان لضرب المؤسسات للوصول الى الفراغ في السلطة وربما لحرب اهلية في الداخل، وبالتالي كانت حماية هذه المؤسسات وحماية المجتمع اللبناني من اجل منع قيام الفتنة في البلاد كي لا يفيد من يتربص بنا، وكان لا بد في بعض المواقع من التراجع خطوة والتقدم خطوتين الى الامام، وبالتالي اعتقد انه لوكان جبران حيّاً لأدرك تماماً ان الشعارات التي طرحناها محقة ويجب ان يبقى لبنان قادراً على تحقيقها".

الأحدب: جبران ضمير الشباب
يكشف النائب مصباح الاحدب لـ "نهار الشباب" عن رسالة سرّية تلقاها الشهيد جبران متعلقة بتهديدات قد تطال أمنه وسلامته الشخصية قبل اغتياله بشهور "فعندما كنا نستقل طائرة الى المملكة العربية السعودية لأداء واجب التعزية بوفاة الملك السعودي، اطلعني على هذه التحذيرات التي تقول له بالانتباه، وقد ناقشنا الموضوع مطولاً، الا انه أصر على العودة الى بيروت لأن واجبه يقضي بذلك ولن يثنيه احد عن اكمال ما كان قد بدأه رغم حجم التهديدات"، معتبراً "ان قدره هذا ادى به الى الاستشهاد وكلفه حياته على رغم انه كان يعلم جيداً عواقب الامور".
يصف الأحدب جبران بأنه "الدينامو الاساسي لهذه الحركة الثائرة على كل الاصعدة التنظيمية والثورية وعلى صعيد المواقف، فهو يمثل الشباب قبل كل شيء، ضمير الشباب اللبناني الذي اغتالوه ليغتالوا بذلك مشروع الدولة و14 آذار، هذه المسيرة المليئة بالدماء والشهداء"، ويضيف "البعض كان يصف جبران بالمتشدد والمتطرف بأفكاره، ولكن برأيي انه كلما مرت الايام، كلما اثبتت لي وللكثير من اللبنانيين العكس، لأن هناك اموراً مفصلية واساسية في البلد لا يمكن التراجع عنها او المساومة عليها بأي شكل من الاشكال، وجبران في هذه الخانة كان يقول الامور بصراحة وتجرد دون اي عوازل، هذه الصراحة الجريئة لم تؤد وحدها الى اغتياله، فتجسّد ضمير الشباب اللبناني في شخصه هو ما ادى به الى القتل والاغتيال الوحشي والجبان في ذاك اليوم المشؤوم".

للعودة الى صراحة جبران
ويطالب الاحدب غامزاً من قناة الاكثرية "لهذا علينا العودة قبل كل شيء الى صراحة جبران والى ضرورة استحضارها وممارستها في هذه الايام فهناك امور يجب عدم التنازل عنها وبالتالي يجب حسمها من اول الطريق والا سنعود بكل بساطة الى المسار العسير، لهذا يجب ان يكون هناك وضوح في التوجهات والممارسات السياسية، فمنذ حرب تموز وتداعياتها مروراً بالاستحقاق الرئاسي والازمة الحكومية وعدم استعمالنا للاكثرية بالشكل الصحيح، وصولاً الى محطة 7 ايار واستعمال السلاح بوجه اللبنانيين من قبل بعض الفئات، هناك امور كانت تحتاج الى الحسم السريع ولم نتّخذها".
ويتّهم الاحدب بعض الجهات بمحاولة احباط الشباب اللبناني وفرزهم مناطقياً وطائفياً، و"هناك من لا يريد لبنان وطن الرسالة والحوار، الا ان الشباب اللبناني في الداخل والخارج بدأوا يعون اكثر ان الخلافات التي تطرح اليوم بين الافرقاء ليست سوى صراعات على مصالح سياسية وعلى مراكز محددة وليس من اجل بناء الوطن الحلم الذي فقدناه لفترات طويلة، وهذا ما يحصل اليوم للأسف داخل فريق 14 آذار، فليعودوا الى روحية 14 آذار التي مثلها جبران، واذا كان الحلم الذي اراده لم يستكمل باغتياله، الا انه ما زال موجوداً في كل وجدان لبناني. صحيح انهم قتلوا جبران ولكنهم لم ولن يقتلوا الطاقات الشابة وجمهور ثورة الارز العريض، ولهذا اقول عودوا الى الوجدان والضمير الذي يطغى على المصالح لانه لا يجوز بعد اليوم الوقوع في الخلافات الانتخابية او الاخطاء، اذ علينا ان نطل على الناس بوضوح لنقول لهم كيف سنحدد المراحل المقبلة من تاريخ لبنان ومستقبله ومن بينها الانتخابات النيابية، وعلينا العمل على صياغة مشروع مقنع ورؤية محددة، وبهذا نستمر في ما اراده الشهيد جبران ونبني لبنان الوطن الحقيقي".

سعيد: قسمه خط بين الماضي والحاضر
بدوره يصف الامين العام لـ "قوى 14 آذار" الدكتور فارس سعيد دور جبران "الصديق القديم على مقاعد الدراسة" بالدور الاهم " لا بل كان الجزء الاكبر من الانتفاضة" الذي شبه وقعها وتداعياتها بانهيار جدار برلين، ويضيف "عندما اعلن قسمه الشهير في ساحة الحرية فاجأني شخصياً، لأنه نقل نفسه من مرحلة الى اخرى واضعاً خطاً بين الماضي والمستقبل، خطاً بين ترسيمات الحرب والانفصال والطلاق الاسلامي المسيحي الذي كان قائماً، وبين مستقبل يجتمع فيه كل لبنان تحت سقف واحد دون احقاد، فجبران ادرك اهمية الانتفاضة وحجمها في هذا القسم، لأنه تأكد ان وحدة اللبنانيين مسلمين ومسيحيين هي وحدها الكفيلة بتحقيق السيادة والحرية والاستقلال، بعدما كان سائداً ان الشعارات الاستقلالية محصورة بفئة دون الاخرى، ليختزل هذا القسم كل مسيرته النضالية من البدايات الى آخر لحظات حياته، الى يومنا هذا".
واعترف سعيد بأنه "بعد استشهاد جبران تراجعت الانتفاضة وعاد البعض الى متاريسهم الداخلية، ففي داخل 14 آذار في بعض الاحيان كانت الامور تبتعد عن هذا القسم وهذه الروحية انما بقيت رغم ذلك الاقرب اليه من اي حركة اخرى ولم تذهب بالاتكال على الديموغرافيا والاعداد والطوائف ووثائق التفاهم بوجه الفئات الاخرى. وحدها "14 آذار" هي التي فرضت التقرب من القسم، فالكلام عاد للّغة الطائفية والمذهبية بعد انسحاب الجيش السوري ليناقش تفاصيل غير مهمة وهذا ما ادى الى تراجع القسم الذي شكل روح ثورة الارز ومبادئها". واتهم سعيد العماد ميشال عون بالمساومة والابتعاد عن قسم جبران "فبعد الانسحاب السوري تحضرت معالم انتفاضة مضادة لم تفهمها ولم تهضمها قوى الاكثرية الا في 7 ايار، حتى في داخل فريقنا كان هناك من يقول بالتسويات الداخلية والخروج باتجاه ترتيب الاوضاع مع "حزب الله" ونبيه بري وهذا ما شكل احد اخطائنا، بالاضافة الى عدم قدرتنا على ممارسة اكثريتنا وعودة كلٍ الى جمهوره وحزبه وزعيمه علماً ان اكثرية المليون ونصف المليون الذين نزلوا الى ساحة الحرية اتوا بدون تكليف من احد".

كي نكون اوفياء لجبران
وبحسب سعيد، الذي يبكي جبران ويفتقده كثيراً يقول انه "كي تكون 14 آذار وفية لشهادة جبران تويني عليها ان تخرج من محليتها، وتخرج من الفئوية الضيقة من خلال الممارسة السياسية، وان تعيد ربط نفسها كحركة تحديث رائدة في العالم العربي تجعلها قادرة على ان يكون لها وظيفة سلام في المنطقة، وان تعيد ربط نفسها مع جمهورها وليس فقط من بابها الانتخابي التقليدي اي على صعيد احتساب الناخبين وتهيئة الماكينات الانتخابية، بل ايضاً من باب تقديم افضل ما لديها من قدرات على مستوى الترشيحات، واعطاء دور اساسي للشباب الذين دعاهم الى الانطلاق من فكر جبران واهميته، على ان يختار الناس في الاستحقاق المقبل بين مشروعين، مشروع يأخذنا الى لعب دور المحارب، وآخر يأخذنا الى السلام".
ومن جهته، اعتبر الاحدب انه "من غير الصحيح ان يقال ان دم الشهداء ذهب اهداراً، فهم ما زالوا موجودين وقد وضعوا الامور في نصابها، وما زال الملايين من الناس مستعدين للتضحية بحياتهم من اجل وطن نؤمن بوجوده. والمسيرة مستمرة، وجبران ما زال موجوداً ودوره مؤسس في حركتنا السيادية، ولهذا نحتاج فوراً الى مصارحة بين قوى 14آذار كي نخوض المعارك والاستحقاقات المقبلة معاً بعيداً عن اي انشقاقات".
اما شهيب فوعد الشهيد جبران "بأن شعلة ثورة الارز لن تنطفىء حتى يتحقق قسمك وطموح كل الشهداء الابرار وطموح كل من رفع علماً في ساحة الحرية، تلك الساحة القريبة من النهار"، مضيفاً "نحن ذاهبون الى الانتخابات النيابية بلائحة واحدة وبعنوان سياسي موحد ولن نقع مجدداً في اي خلاف او صراع محتملين، فالفرقة في 14 آذار مدمرة ولن نقع في هذا الفخ".
فيما امل مونان من رئيس الجمهورية ان يكون هذا العهد عهد الشباب ليتحقق حلم جبران متكلماً عن 14 آذار الشعب وليس الفريق السياسي، داعياً الى الحوار والوحدة بين كل الافرقاء ومن بينهم "التيار الوطني الحر" و"قوى 8 آذار" لأن احداً لا يمكن "ان يلغي الآخر ولن يتغير شيء اذا ربح هذا الفريق او ذاك". وتوجه الى 14 آذار مطالباً بـ"العودة الى روحية جبران وفكره والا ستستمر الخلافات لأنه كلما ابتعدنا عن الخط كلما زادت المشكلات والصعاب اكثر، وآمل ان يستمر جبران وحلمه في كل شاب وشابة في هذا البلد".
هكذا اذن خطا جبران على درب الاحرار ومشى بقدره الى طريق الشهادة المفعمة بالحياة، ولكن صوته اليوم ما زال صدّاحاً في انين كل الساحات، ومنها ساحة الحرية حيث يقول: "إن قدر لبنان هو ان تكون حريته دائماً معمدة بالدم، ولكن قدره ايضاً ان يبقى شامخاً مرفوع الرأس اقوى من كل انواع المؤامرات من اي جهة اتت (...)، ويقول لـ14 آذار: "14 آذار برهن للعالم اجمع ان لبنان دولة راقية في الديموقراطية ولم تحصل ضربة كف في اكبر تظاهرة في تاريخ العالم، فاغتيال 14 آذار يعني ان لبنان قاصر، وان اللبنانيين لا يستطيعون الاتفاق معاً من دون وصاية خارجية (...)، وينهي حديثه بالقول ان "المصارحة وحدها تصحح الاخطاء وتمحو الخطايا وتوفر علينا جميعاً المزيد من الكوارث".

Digital solutions by