Digital solutions by

ناديا ملهمته ومكرم حلمه الضائع شوق الى اللقاء بعد "إتمام المهمة"

10 كانون الأول 2014 | 23:00

جبران ومكرم.

خاطب الشاعر الفرنسي شارل بودلير وهو في ذروة يأسه وألمه الموت في قصيدة "الرحيل": يا أيها الموت! يا أيها القبطان العجوز! دقت ساعة الرحيل! فلنرفع المرساة!"

الموت، هذا القبطان اللعين والوقح، قصد عائلة غسان تويني وابنه جبران وسرق الطفلة نايلة، شقيقة جبران الصغيرة في 17 نيسان 1962 بعد صراعها مع المرض.
وعاد الموت ثانية الى العائلة في 20 حزيران 1983 وطلب من ناديا تويني والدة جبران مرافقته بعد عذاب مرير وطويل عاشته مع داء السرطان. واستكملت فصول "التراجيديا" في العائلة بمقتل مكرم، شقيق جبران في 22 كانون الثاني 1987 على أثر حادث سير في باريس.
جبران الصامت
كيف عايش جبران تويني فراق "عائلته الثانية" التي انضم اليها في عالم الخلود بعد استشهاده؟. كان جبران على اقتناع بأن "الموت هو استدعاء ربنا لنا بعد إتمام المهمة".
وفي ظل هذه المعادلة، نجح في حياته "القصيرة" على هذه الأرض في مد جسور حوار بينه وبين الأموات. واللافت أنه تحدث عن هذا الرابط "العضوي" بينه وبين من سبقوه الى "فوق" عندما حلّ ضيفاً على الزميل نيشان ديرهاروتيونيان في حلقة ضمن برنامجه "لقاء خاص" بثت مباشرة على الهواء في 2003/5/16 على شاشة تلفزيون "الجديد". قال: "أستمد القوة والقدرة على تخطي صعاب الحياة ومشكلاتها عندما أتذكر أمي ناديا وأختي نايلة وشقيقي مكرم". شدّد في حديثه على أنه عاش "متصالحاً مع الموت"، وردّد أن والدته علّمته خلال مرضها أن يروّض الوجع والموت أيضاً.
ولفت في كلامه الى أن "الموت هو استمرار لحياة أوسع و أكبر نعيش قسماً منها على الأرض ونكمل القسم الآخر قرب السيد المسيح حيث الشفافية". على رغم ذلك، "لم يكن جبران كثير الكلام على موت أفراد عائلته في حياته اليومية"، كما يذكر لنا بعض أصدقائه وبعض أفراد العائلة الذين التقيناهم. لكن رالف باخوس الذي تربطه به صداقة ومودة قديمة يؤكد ان "تصرفات جبران وردات فعله كانت ترمز غالباً الى حسرته وألمه لغياب ناديا ونايلة ومكرم". يقول: "كان جبران يبكي وحده. فاجأته مرّة يبكي ناديا، ومرة أخرى يبكي مكرم. كان جباراً، يبتسم دائماً ويعكس لنا صورة الرجل القوي الذي يقهر الخوف والقلق، وحتى الموت". يرى باخوس "ان عشق جبران للوحدة وميله الى الشرود يتصلان مباشرة بالمراحل الصعبة التي عرفها في حياته. فقد كان يميل خلال لقاءاتنا، وخصوصاً بعد مقتل مكرم الى التزام الصمت المطلق ساعة أو ساعتين. كان يحاول مقاومة الوحدة والفراغ في ممارسة بعض هواياته الرياضية الخطرة التي شاركته فيها. وكنت أشعر خلال مشاركته في قيادة دراجة نارية في حرج وعر، برغبته في إتمام مراحل المغامرة مهما تكن صعبة، لأن جبران "يعتنق" المغامرات المجنونة لتكون فشة خلق من ضغوط صعبة مر بها في حياته".

ملهمته الوحيدة
لم تنجح أي امرأة في تجاوز المكانة التي كانت تحتلها امه ناديا في حياته. وتقول السيدة رينه بابادوبولوس، وهي صديقة للعائلة، ان جبران أصرّ يوم وفاة والدته، على أن "يمسح جسدها البارد الذي سكنه الموت بعطرها المفضل". تشرح بغصة كبيرة أنها بقيت وحدها مع جبران تلبس ناديا تويني فستان "الرحيل" الى العالم الآخر: "حرص جبران على وضع سُبحة الصلاة بين يدي أمه. وجدد حبه لها وقبّل يديها مراراً وهو يبكي كثيراً، وجثا على ركبتيه قائلاً: "ماما، أنا أحبك كثيراً ولن أنساك أبداً .أعدك بأن أنفذ كل ما أوصيتني به". وتروي بابادوبولوس أن جبران الذي لم يكن يعرف النوم في المرحلة الأخيرة من مرض أمه المؤلم جداً، يترك المعزّين ويتوجه الى غرفة والدته ليزورها كل يوم، "كان يوصيني دائماً بأن أحافظ على ترتيب أغراض أمه في غرفتها كما أرادت هي أن تكون في حياتها. ويخشى دائماً أن يأخذ أحد أي شيء لأمه من غرفتها".
تسهب بابادوبولوس في شرحها عن غصة جبران لفراق أمه: "كان يحمل في أيام غيابها الأولى صورتها ويتحدث وحده معها و يتغنى بجمالها وروعة شعرها الأسود المنسدل على كتفيها. لقد أحبّ الشعر بعد موت والدته. كان يقرأ كتاباتها عن لبنان بفرح وفخر عظيمين".
بقي وفياً لذكرى عيد ميلاد أمه ناديا وشقيقته نايلة وشقيقه مكرم وذكرى وفاتهم. وتروي بابادوبولوس: "كان يطلب مني أن أرسل باقات من الورد الأبيض الى حديقة بيت العائلة في ذكرى ولادة أمه وأخته، وحتى في ذكرى وفاتهما. كما كان يصر على ألا أنسى القيام بالأمر نفسه لشقيقه مكرم في المناسبتين. كان جبران يوصيني بأن أرسل هذه الباقات باسم أفراد من عائلتي تويني وحماده للست ناديا ونايلة ومكرم". وحرص جبران على تعريف ابنته نايلة بجدّتها ناديا من خلال زيارة غرفتها مرات عدة. وتقول: "كان جبران يمسك بيد نايلة ويدخلها غرفة جدّتها ويخبرها عنها بإسهاب وبفرح عظيم".
ويؤكد مراسل "النهار" في باريس سمير تويني أن "جبران لم يكفّ عن اعتبار ناديا حية معه، ولو غابت عنه في الجسد". ويشدد تويني الذي تربطه علاقة وثيقة بالعائلة على "الجهد الذي بذله جبران في الاهتمام بسيارة والدته وإبقائها في منزل العائلة في بيت مري. كنا نطلق على سيارة ناديا اسم عفاف، وهذا ما كان يضحك جبران. وقد اهتم بالسيارة وقادها مرات عدة وفاء لناديا".

الحلم... الضائع
الحديث عن علاقة جبران بمكرم بعد الموت، يبدو أصعب منه مع أمه ناديا. فقد عانى جبران غياب شقيقه "القسري" عنه والذي فرضته دراسة مكرم في الخارج. وعلى رغم ذلك، لم ينسَ جبران صورة شقيقه مكرم الذي هرول مسرعاً ليضع في تابوت أمه قبل رحيلها ورقة واحدة من كتاباتها الشعرية. واللافت أن جبران خصص رسالة شوق وحسرة لأخيه حملت عنوان "ما أصعب الكتابة عنك!" وجّهها اليه في كتاب بعنوان "صباح براءات" صدر في نيسان1988. يقول لمكرم في السطور الأخيرة من رسالته: "إنني ذات يوم، سألاقيك هناك معهم جميعاً في جمهورية الحقيقة والشفافية والنور!". ويختم موقعاً: "أحبك مكرم... والى اللقاء!".
أحبّ جبران شقيقه مكرم كثيراً. ومما كتب في رسالته اليه: "ضربك القدر، وأمضيت وأنت في المستشفى أطول أسبوع في حياتي، أسبوع الرجاء، أسبوع الحوار، الحوار مع الذات، الحوار مع المسيح، الحوار مع القديسين، الحوار مع الأموات...". وتؤكد السيدة أندريه فؤاد تويني أن جبران لم يتوقف عن الاتصال بأطباء لبنانيين وفرنسيين في لبنان وفرنسا ليحاول إقناع نفسه أن مكرم سيستيقظ من العناية الفائقة ويعود من فرنسا للعيش مع العائلة في بيروت، مع أنه كان يدرك تماماً أن الصدمة القوية التي تعرّض لها على رأسه كانت قاتلة.
كيف تلقّى جبران خبر وفاة شقيقه؟ لم يغادر لبنان، بقي على اتصال بأفراد العائلة في باريس الذين لازموا مكرم في المستشفى. غضب جبران من خبر وفاة شقيقه الى درجة أنه انزوى ساعات في الحرج قرب المنزل في بيت مري. قلق أفراد العائلة عليه لأنه غاب ساعات طويلة. حاولوا البحث عنه وإقناعه بضرورة العودة الى المنزل، وهذا ما كان أمراًصعباً للغاية في حينه.
واللافت أنه كان يخشى دائماً أن تكرر مأساة مكرم. كان يشعر بإرباك كبير عند وقوع أي من صغار العائلة أثناء اللهو، ويقبع في مكانه طالباً من أفراد العائلة الانتباه لئلا يتلقى أي من الأطفال صدمة على رأسه.
لم يتردد أحياناً في الحديث عن شقيقه مع دنيز نويل، مربية مكرم. وتروي نويل في اتصال من بلدها الأم سويسرا أنه "كان يتفادى الحديث عن موت مكرم. لكنه لطالما تمنى لو سمحت له الظروف بالعيش مع أخيه في لبنان". وتؤكد "أن تضرّع جبران للسيدة العذراء ساعده كثيراً في تحمل الموت المتكرر في العائلة". وتتوقف عند لقائها الأخير مع جبران في بيروت: "جئت الى بيروت عام 2004 والتقيت جبران والعائلة. رافقته في سيارته من مقر جريدة "النهار" في شارع الحمراء الى مبناها الجديد في وسط بيروت. نظر اليّ وقال لي: أتمنّى لو كان مكرم معي لندشّن هذا المبنى معاً. سكت للحظات ثم بدأ يشرح لي عن أقسام المبنى ومميزاته".
حاول جمع كل ما يذكّره بشقيقه. فلم يتردد في شحن سيارته التي كان يقودها أثناء إقامته في الخارج "لتقبع" قرب سيارة ناديا في منزل العائلة في بيت مري وفاء لذكراه، كما يروي سمير تويني. ويضيف أن "جبران كان يذكر شقيقه في رحلات العمل التي كنت أرافقه فيها، ويعبر لي عند وصولنا الى أي مكان سياحي أو فندق فخم عن حسرته لأن مكرم ليس معنا في هذه الرحلة".

الناضجة والمشاغب
لم تكن الصغيرة نايلة، شقيقته، سراباً في حياته. كان يدعو بعض القريبين الى مشاهدة بعض الأفلام والصور له مع نايلة الصغيرة، وتعلو ضحكته عندما يتذكر جبران الشقي جداً في طفولته. وكان يحكي عن قدرته على إقناع أخته نايلة بأفكاره الشيقة جداً. كان جبران يكرر قصة نايلة وإبريق الزجاج أمام بعض الأصدقاء والأقرباء.
وعلم مرة أن نايلة حصلت على هدية "متواضعة" من أحدهم لم تكن في رأيه إلا إبريقاً من الزجاج. فقرر أن يقنعها برميه على الأرض بذريعة أنه لن ينكسر، بل سيبقى "جميلاً" جداً. وبعد محاولات عدة نجح في إقناعها ورمت نايلة الإبريق الذي تناثر في الحال.
وبعيداً من قصص الولد الشقي، كان جبران يحتفظ بصندوق صغير يحوي خصلاً من شعر نايلة، يبرزها أمام الحضور، ويصمت بغصة موجعة.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Digital solutions by