Digital solutions by

فَشِلَ القاتلون في إسكاتك

10 كانون الأول 2014 | 23:50

ماذا عساي أقول لك في الذكرى الثانية لاستشهادك، والجميع يهتفون اليوم بقسمك التاريخي الذي لا يزال صوتك يدوي بكلماته التي في حجم معاناة لبنان.
وأي كلام تراه يكون في مستوى هذه الشهادة التي لا يزال لبنان يمشي على طريقها كأنه على درب الصليب.
تحل الذكرى الثانية لشهادتك، ولبنان لا يزال في حاجة إلى كل قطرة دمٍ سالت منك.
حجم الإحباط كبير كبير، ولكن حجم الإيمان لا يزال اكبر.
هذا ما علمتنا إياه شهادتك، أن لا نستسلم، وأن لا نتراجع أمام كل إحباط وكل تعّثر وكل تراجع. معنى شهادة جبران تويني يأخذ بعده الحقيقي الآن أكثر من أي وقتٍ مضى .
جبران تويني كان المنتفض، الثائر، المؤمن الذي لم يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، ولم يتمكن منه يوماًَ التشاؤم أو اليأس أو الإحباط. رغم أن كل عوامل الاحباط واليأس والخوف تضافرت مرات ومرات ومرات.
جبران تويني كان ابن قضية لا تموت، ونضالٍ لا يعرف التراجع، وثورة لا تعرف المهادنة. كان مؤمناً بأنه من غير المسموح للجيل اللبناني الشاب الذي هو ثورة لبنان الحقيقية، أن يعرف الخوف، وان يستسلم له، لان استسلام شباب لبنان وحده ينهي لبنان. كان يدرك حجم الآمال التي علقها الشباب على من نذر نفسه، ومواقفه، ومساره السياسي والوطني والمهني والصحافي من اجل قضيته، من اجل وطنه لكونه الوحيد الذي يستحق التضحيات التي لا تعرف حدوداً.
استشهد جبران تويني وفي عنقه أمانتان: أمانة ثورة الأرز وأمانة شباب لبنان. فلا يجوز والحال هذه في الذكرى الثانية لشهادته أن يسمح شباب لبنان للتشاؤم باقتحام قلوبهم، ولا يجوز أن تصبح حقيبة السفر هدية لهم، فيتخلون عن القيم التي استشهد من اجلها جبران وكل شهداء لبنان. كل ما في الواقع الحالي يحمل على التشاؤم، لكن مسيرة جبران تويني وأمثاله من الأبطال هي النبراس، الذي يجب أن يهدي الشباب لكي يبنوا الدولة العصرية الحديثة التي تليق بالشهداء والاحياء على السواء.
جبران تويني ينتمي إلى جيلٍ استفاق على الأزمات والحروب والفتن والاضطرابات والانقسامات الطائفية والمذهبية والاحتلالات المتعددة، فقاوم وناضل حتى الرمق الأخير، وآمن أن ليس من قضية حية تستمر ما لم يحمل لواءها مناضلون ومقاومون ومقاتلون أشداء من اجل صناعة المستقبل.
من غير الجائز في الذكرى الثانية لاستشهاد جبران تويني، ان نرى شباباً يستسلمون لكل مسببات التشاؤم واليأس التي صنعتها سياسات الزعماء، وسياسات الخارج، وسياسات المحاور. سقط الشهداء لأنهم وقفوا وقفات لا تلين، في وجه كل الذين أرادوا ضرب الكيان اللبناني، وتدميره، وتصوير لبنان بلداً غير قابل لحكم نفسه بنفسه، وصناعة سياسته بأيدي شبابه، وعقولهم، وعلمهم، وثقافتهم المشعة على كل المحيط وفي سائر أنحاء العالم. الوفاء الحقيقي لدماء جبران في ذكراه الثانية يكون في العودة إلى هذه القيم . في العودة إلى الأصول، إلى حقيقة ثورة الأرز وجوهرها، أي الإيمان المطلق بوحدة لبنان وسيادته واستقلاله التامين من دون أي انتقاص.
الوفاء لجبران يكون بترجمة قسمه الشهير في قلب بيروت الذي أضحى نشيداً وطنياً آخر بعدما تعمد بدماء صاحبه.
حرام اليأس والتشاؤم في عز مرحلة مصيرية فتح معها "باب" استرداد لبنان سيادته واستقلاله .
كل السياسات عابرة وتافهة أمام القيمة الكبيرة الحقيقية، في أن يحمل شباب لبنان لواء شهدائهم، ويمضوا إلى حيث يمكنهم إعادة الاعتبار كاملة إلى هذه الدماء، والى المستقبل الذي يستحقون.
في ذكرى جبران، هذه المساهمة المتواضعة على صفحات "نهار الشباب" الأحب إلى قلبه وروحه في عليائه، مساهمة بسيطة ومؤمنة بأن ما على الورق وبالحبر، هو في مستوى الذي بذله من دماءٍ وحياة، معاهدين روحه السير على خطاه إلى أبد الآبدين.
وأخيراً أقول لك، لم أتخيل نفسي يوماً في هذا الموقع، أكتب عنك وأتحدث عنك، وإنك لم تعد معي، وتركتني لتغادر إلى دنيا الحق. لم تعد معي جسدياً لكنك معي بالروح وأنت قوتي واستمراريتي .
كل ما أقوله لك إني اشتقت إليك،
اشتقت إلى ابتسامتك وحركتك وثورتك وعنفوانك وحنانك،
اشتقت إليك يا أبي، لكني أعدك إنني، حتى آخر يوم في حياتي، سأستمر برسالتك، ومعي الكثيرون من اللبنانيين سنحقق حلمك، سنبحث عن الجبناء الذين أرادوا إسكاتك. هم يقرأون اليوم "نهار الشباب" و "النهار" ويسمعون محبيك، فيتأكد لهم انهم فشلوا بما فعلوا، ولن يستطيعوا إسكات جبران تويني.
إلى اللقاء يا أبي في دنيا الحق، حيث سألتقيك مع عائلتنا.
واطلب منك، من فوق، أن تصلي لنا وتسهر على لبنان وعلينا...

نقولا واندره سلام عليكما

لم يقبل نقولا فلوطي واندره مراد أن يتركا جبران يذهب وحيداً، فالرفقة حلوة إذا كانت إلى السماء، إلى حيث الصدّيقون والأخيار.
نقولا واندره لازماه في حياته وفي مماته. كانا حريصين عليه، أكثر من خوفه على نفسه. كانا يريان فيه خلاصاً للبنان، ولمجتمع افتقد، وهو اليوم يفتقد أكثر من أي وقت مضى، شجعاناً وأبطال.
معه، في الهناك، يسكنان في الرجاء، يحرصان عليه، وهو أيضاً لا يشعر بالغربة أو الوحدة، فقد انضما الى العائلة التي سبقته، وانتظرته، واستقبلته.
وهم جميعاً، في الهناك، ينظرون، ويصلون من اجل لبنان... لبناننا ولبنانهم.

Digital solutions by