Digital solutions by

أنسي الحاج الهدّام المُدمِّر مُكرَّماً: نحن في زمن السرطان

7 كانون الأول 2014 | 15:01

المصدر: "النهار"

بريشة فيصل سلطان.

سيبتسم أنسي الحاج، بكثيرٍ من الهيبة الرقيقة، لحبٍ أحاطه به مشتاقون، في ندوةٍ بعنوان "أنسي الحاج من قصيدة النثر الى شقائق النثر"، في مناسبة صدور كتاب "أنسي الحاج من قصيدة النثر الى شقائق النثر، مختارات من أشعاره وخواتمه" للشاعر والناقد عبد القادر الجنابي، ضمن فاعليات "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 58" في "البيال". لا يمكن للدورة هذه السنة أن تكنّ وفاءً للكتب وصنّاعها، وللثقافة والمتمسكين بها، من غير ذكراه، هو الحاضر في ضمير الشعر وديمومة العقول المفكرة مهما اشتدّ غيابٌ وتحلّل جسد.

لا عصافير تصادق الهواء

تراءى أنسي الحاج للحاضرين الحاضر الأول، بما فيه من كلماتٍ وخِصال وتجدُّد. أربعة شعراء على كراسيهم، أمام جمهورٍ ملأ القاعة وعدسات مصوّري الصحافة، والهواة المحتفظين بالذكرى على الهواتف. الشاعر محمد علي شمس الدين، والشاعر عبد القادر الحصني، والشاعرة ندى الحاج في يدها حبّ سمير عطاالله لصديقه أنسي الحاج، والشاعر عقل العويط الداعي الى فتح بيروت للمُكرَّم، وتدريس شعره في الجامعات، "كما يُدرَس الشعراء الحاسمون في الكون".

تمرّ الشاعرة لوركا سبيتي، مقدّمة الأمسية، على أحزان هذه البلاد، حيث لا حنان ولا عشب أخضر ولا عصافير تصادق الهواء. نشاء لو يحضر الصوت الغاضب في أنسي الحاج، فيعلن ثانيةً، من غير ملل، "عُهر الحقيقة". "لتُكتَب "لن" من جديد"، يعلو صوت سبيتي عساه يبلغ الأعلى حيث تسكن الأصوات. يُصغي الحضور الى كلماتٍ من أنسي الحاج وأشواقٍ إليه، فنسمع همساً: "رائع. ما أجمل هذا الكلام!". كأنه شيءٌ من الارتقاء نحو القصائد، يملأ المرء أمام أنسي الحاج، شاعراً كان أم مدركاً عظمة الشعر. تغدو الكلمات صوراً، يرسمها القلب كأنه يشيّد لها منزلاً مِن أثر الغيم. آتوني بأنسي الحاج من حيث السماء شديدة الصفاء. ولِمَ نفعل وقد بلغنا سواد الحال، دعوه هناك يرتاح.

التجديف عكس الريح والموج

طال تفنيد الشاعر محمد علي شمس الدين لـ"لن"، لغةً وألغازاً وما انطوى عليه من تدمير واجتياح. الباحث في مضمون الديوان يدرك خفاياه، وتلك قدّمها شمس الدين عرضاً واستشهادات ضمن الوقت المتاح. تولّى كلٌّ من الشعراء الأربعة جانباً من المُكرَّم، كي لا يقع الحضور على تضاربٍ وتكرار. تضمنت مداخلة شمس الدين "التقنية" المستعملة في البناء الشعري، والتدرُّج وفق مراحل الزمن من اللغز في "لن" و"الرأس المقطوع"، وصولاً الى الحكمة في "الوليمة" و"الخواتم". وعرَّج على الرفض في اللغة والتجديف عكس الريح والموج، وارتقاء الرفض نحو الهجوم والاجتياح، مستشهداً بدعوة أنسي الحاج (النيتشاوية ربما) الى الهدم والهدم والهدم: "أول الواجبات التدمير. التخريب حيوي ومقدّس. نحن في زمن السرطان".

لوركا سبيتي بين الفواصل، تشكر شاعراً وتُقدِّم الى الحضور شاعراً آخر. عن أنوثة اللغة في انتهاكها ذكورات الكلام، تحدّث الشاعر عبد القادر الحصني، متخذاً "لن"، أيضاً، نموذجاً عن محاولة عصيان اللغة على الكلام. وكان سؤالٌ: أنسي الحاج حين قال باتباع الرسولة بشَعرها الطويل حتى الينابيع، مَن قصد؟ الحبيبة فحسب، أم أيضاً اللغة؟ لا بدّ أنهما معاً، إذ ظلّ يحاول ابتكار علاقات جديدة للحب، حبّ المرأة وحبّ اللغة.

الضاحك كعاصفة، الحزين كبئر بلا نضوب

الرائع بالمديح، الجميل بالكتابة عن أنسي الحاج، سمير عطاالله، ليته حضر بشخصه. ترك للشاعرة ندى الحاج أن تلقي كلمته، وتُوجّه، بدلاً منه، تحية الى التراب. تدرك ابنة المُكرَّم كيفية التصرُّف مع الأمانة، وتُلقيها بنبرة مَن يشتاق حتى البكاء. "دعكَ من غيابكَ فهو ذبول شائع"، من سمير عطاالله الى أنسي الحاج. إن كان الحضور شَرَد، في بعض محطاتٍ من كلمتي شمس الدين والحصني، فإنّ صمتاً عمّ المكان بينما ندى الحاج تقرأ سمير عطاالله كأنه عَتابا الوداع وموّال التذكّر الحزين. يتوجّه إليه: "تعالي أيتها الطيور لئلا يظلمكِ البرد ويسرق الجليد منكِ حبوب الكرز (...). كم حاولتُ أن أقلّدكَ. لم تعرف ماذا عنيتَ لي. كنتَ تضحك مثل عاصفة وتحزن مثل بئر بلا نضوب. (...)". وختم بكلامٍ من أعماق غائبٍ عن الهنا، الى غائبٍ عن الهنا والهناك: "لقد آن لنا أن نخبركَ أنك كنتَ المصباح الأول".

"افتحوا المدينة له"

أخذ الشاعر عقل العويط منحى آخر عما قيل عن "لن" والأسلوب والشوق، وراح، كما يهوى المُكرَّم، يهدم في جانب، ويدمّر في ثانٍ، ويجاهر بالسخط "من أجل أن لا يبقى حجرٌ على حجر في هذه الكذبة اللبنانية والعربية المستفحلة". أصغى الجمهور الى تحريض الشاعر على "فتح المدينة لأنسي الحاج". لا يكفّ عن نقد واقعٍ بلغ من الرداءة ما لا يستوعبه عقل. يُرسل "دولة المكان المعطوب" الى الجحيم، ويصدح صوته في الأرجاء: "تباً للعرب أنظمةً وقطعاناً وعشائر وغرائز"، ويتساءل، من باب النقد لا الحنين- التفكيك لا الرثاء، عن "المكان الجوهري العارم الذي كانته بيروت وكانه لبنان؟". لم يحضر أنسي الحاج في كلمة عقل العويط أيقونةً، بل شاعراً مكتوباً ومخطوطاً. كأنه الحضور الذي يريده، الباقي بعد جماليات الحسّ. سبق للشاعر انتقاد تقاعس الجامعات عن تدريس أنسي الحاج، واكتفاء الدولة بنياشين "تزين" ضريحه، فيما الواجب أن تفتح الجامعات له دفاتر أبحاثها، لا بل المدينة بأسرها أن تُفتَح له. لعلّها دعوةٌ للبدء من جديد بعد صدمٍ وزلزلة. أما القلوب والأرواح، فهي وحدها أمكنة أنسي الحاج. "ذلك أشرف له من هذه المذلة العارمة، وهي مكاننا البيروتي واللبناني المفرّغ من معناه. بل هي حياتنا، بل مكتبتنا العامة، بل ثقافتنا الوطنية". وكانت بعض قصائد المُكرَّم، قرأتها ندى الحاج، كم تراءى أنها كُتِبت لآننا. ولكلّ آن.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

Digital solutions by