Digital solutions by

رمز الحرب الأهلية تحوّل مأوى للمعدمين والأمراض المعدية

1 كانون الأول 2014 | 12:27

المصدر: "النهار"

من مستشفى يضم أهم المعدات الطبية وأبرز الأطباء الفلسطينيين واللبنانيين والأجانب، إلى غرف تفتقد أدنى الشروط الصحية، حيث المجارير تغطي المكان والحشرات والجرذان تعيش جنباً إلى جنب مع السكان، انه مبنى مستشفى غزة وسط شارع صبرا في بيروت، ذلك المبنى الذي يجمع ثلاثة رموز وليس واحداً فقط، فهو رمز للحرب الأهلية اللبنانية و لحروب الآخرين على أرض لبنان، ورمز لمعاناة الفلسطينيين واليوم السوريين، هو صورة للبؤس والفقر والأمراض والاوبئة، هو تجمع للمعدمين وليس فقط الفقراء.

"النهار" قصدت المكان واطلعت على معاناة الناس الذين يفتقدون إلى ادنى مقومات الحياة.

مجمع غزة

" مبنى المستشفى المؤلف من عشر طبقات والذي ينخره الرصاص وآثار القذائف على جدرانه، تعود ملكيته الى منظمة التحرير الفلسطينية التي قامت ببنائه مع ثلاثة مبان أخرى تحيط به، احداها للعيادات الخاصة ومبنى للتوليد وآخر لم يتم انجازه وذلك في سبعينات القرن الماضي"، بحسب مسؤولة اللجان النسائية في المباني بسيمة شحادة التي أضافت " رغم خروج المقاومة الفلسطينية بعد الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 استمر المستشفى في استقبال المرضى، لكن حرب المخيمات في العام 1985، أدت الى هروب الفلسطينيين في العام 1986 من مخيمات شاتيلا وبرج البراجنة والبرج الشمالي والرشيدية، الذين لم يجدوا مأوى لهم سوى تلك الأبنية، احتلوها من خلال سيطرة كل عائلة على غرفة او غرفتين وذلك بعد أن تم نهب المعدات التي كانت تحتويها خلال الحرب".

تتحدث شحادة والروائح الكريهة تلف المكان والنفايات لم تترك شبراً الا وسكنته، تقول والغصة تكاد أن تخنقها: "نحن نطلق على المباني الأربعة اسم مجمع غزة، ويحمل المستشفى اسم غزة ثلاثة، وهو يأوي ما لا يقل عن 250 عائلة، ستون في المئة منهم اليوم من السوريين وقام الفلسطينيون بتأجيرهم الغرف بأسعار تراوح ما بين 200 إلى 300 دولار، حسب مواصفات كل غرفة، فان لم تحتو على مطبخ يكون سعرها أرخص".
ارتفاع نسبة النزوح دفع العائلات الى تحويل الملجأ والمصعد الى غرف، حتى السطح تم بناء غرف عليه، اذ لم تعد تكفي الاثنا عشرة غرفة تقريباً التي تتألف منها كل طبقة، والتي تسكن فيها عائلات لا يقل عدد أفرادها عن خمسة أشخاص، حتى تم قسم بعضها إلى غرفتين وتأجيرها.

المشاكل لا تعد ولا تحصى

رغم قيام المنظمة النروجية باعادة تأهيل المباني إذ عمدت الى مد قساطل الصرف الصحي وإصلاح الواجهات بوضع المينيوم لها، إلا أن المشاكل التي يعانيها مبنى المستشفى لا تعد ولا تحصى، وشرحت شحادة ان "البنية التحتية وضعها مأسوي، المياه الآسنة تملأ المكان، المياه أكثر من مالحة، اذ لا يوجد مياه شرب، نحن من قمنا بحفر بئر وكهرباء الدولة بالكاد تصل الينا".
شحادة التي تقطن المبنى منذ 27 عاماً منزعجة من كل شيء، فمدخل المبنى لوحده يثير الرعب، الظلمة تلفه والأوساخ تطبع الجدران أما الدرج فحدث ولا حرج، مياه الصرف الصحي تتساقط من السقف والمجارير تنبع من الأرض" العيشة جد صعبة، نحاول قدر المستطاع التأقلم مع الوضع وأن نحمل هموم بعضنا والتعاون على حل المشاكل التي نواجهها بدفع مبلغ عشرة آلاف ليرة شهرياً لاصلاح الاعطال التي تحدث".

أمراض وأوبئة

من الطبيعي في جو يلفه التلوث أن تضرب الأوبئة والأمراض السكان، وتقول بسيمة: " يتعرض سكان المباني بين الفترة والاخرى إلى موجة فيروسات وامراض، فبعد الجدري والقمل والجرب والصفيرة ها هي اللاشمانيا أو كما تعرف بالحبة الحلبية تغزو الكبار قبل الصغار".
شحادة التي تعطي السكان دورات في الارشاد الصحي شرحت نوعية المرض: " هو مرض جلدي معدٍ خطير يسبب قروحاً جلدية وقد يصل المصاب بها إلى الموت اذا لم تتم معالجته سريعاً، وهو نوعان: ناشف ورطب، تتسبب به القوارض البرية كالفئران والجرذان والبعوض بالاضافة الى الحيوانات، وهذه الحبة التي تنتشر وتتكاثر بشكل سريع عبارة عن بعوض تنخر اللحم تستمر لأسابيع أو أشهر وقد تقتل المريض اذا وصلت الى عظامه، وهي تصيب الوجه والأطراف والأذنين، لدينا حالات عديدة تم نقلها الى المستشفى، منهم ولد في الثانية عشرة من عمره، أصيب في وجهه وهو يتماثل للشفاء على عكس والدته التي أصيبت في قدمها ولم تنته بعد من المرض".
بالاضافة الى هذه الامراض، عانى سكان المبنى من تلوث المياه حيث قاموا بتكريرها وها هم اليوم يخشون على انفسهم ويراقبون المياه بين الحين والآخر.

خارج نطاق التغطية

"لا احد يعترف بنا كوننا مجمعات خارج المخيمات، لا الاونروا ولا اي منظمة غيرها تساعدنا، نحن نساعد أنفسنا بانفسنا، ونصبّر حالنا، إذ ليس في اليد حيلة، فالعين بصيرة واليد قصيرة"، بهذه الكلمات عبّر محمد، أحد سكان المبنى عما يشعر به: " نموت في اليوم مئة مرة، استأجرت غرفة بلا مطبخ بمئتي دولار، لكن أحمد الله انه يوجد بيت خلاء، ففي السابق كان يوجد حمام واحد لكل طبقة لكن مع الوقت تم بناء واحد لكل غرفة".
سناء تسكن في الطبقة التاسعة من المبنى تقول بألم وحسرة: "هربنا من قصف الأسد فنهشنا العوز والفقر، ثمانية أشخاص نعيش في غرفة، كم اتمنى لو متّ في بلدي على ان أحيا في مثل هذا المبنى، فصعود الدرج وحده عناء، ونش الماء في الغرفة بلاء، ورائحة النفايات غضب من رب السماء".
تتغيّر الوجوه لكن المبنى يبقى قائماً على أمل أن يأتي اليوم وتحل فيه مشاكل قاطنيه والمنطقة!

Digital solutions by