Digital solutions by

الراعي في جنازة صباح: أدت رسالة زرع الفرح

30 تشرين الثاني 2014 | 15:20

المصدر: "الوكالة الوطنية للاعلام"

اكد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، في ترأسه صلاة عن روح نفس صباح في كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، ان "كلام الرب يسوع، يبندرج في انجيل اليوم، في سياق كلامه عن الحياة وما تمتلك من خيرات مادية وروحية وثقافية وفنية، انها وكالة من الله موزعة على الناس مواهب مواهب، كما يشاء، من اجل بنيان الجماعة، وان كل واحد منا سيؤدي حسابا عما خصه الله به من مواهب وعطايا وإمكانات. هذا ما أراد تفسيره في مثل الوزنات".

وقال: "نودع اليوم المرحومة صباح بالاسى الشديد مع الفرح الذي أوصت به قبيل الرحيل. وهي التي سلمها الله خمس وزنات من موهبة الفن والغناء فثمرتها، وها هي اليوم تسلم الله خمسا أخريات، والعدد يعني كمال العطاء. بفضل هذه الامانة الكاملة والرائعة من جهتها، نستطيع ان نقول: ماتت صباح، لكن صوتها حي على مدى الأثير. غاب وجهها، لكن ابتسامتها العريضة على كل شاشة وورقة. انها جانيت الفغالي ابنة بدادون ووادي شحرور، عمها شحرور الوادي. معروفة فنيا بشحرورة لبنان صباح، وشعبيا بالصبوحة، ونتاجا بالاسطورة".

وتابع: "في الصباح الباكر من يوم الاربعاء الماضي أسلمت الروح وأطلت على عالم الله، في الموعد الذي كانت تطل فيه على مسرح الارض تنشد، والجماهير تمجد الله في عطاياه. رقدت ووصيتها واحدة: ان يكون وداعها يوم فرح، وبدون حزن وبكاء، يقينا منها انها ترحل الى رحاب رحمة الله اللامتناهية، وكأنها تردد وصية بولس الرسول:"افرحوا في الرب على الدوام، وأقول لكم ايضا افرحوا". فتثبت يوم وداعها في هذا يوم الاحد. أجل، أدت صباح، رسالة زرع الفرح في قلوب الجماهير اللامحدودة، من خلال حوالى أربعة آلاف أغنية بكل اللهجات اللبنانية والعربية والمناطقية وتسعين فيلما مصريا ولبنانيا ومن جنسيات اوروبية اخرى، وثلاثة وعشرين مسرحية استعراضية وغنائية، وعشرات المهرجانات العربية والدولية. وزرعت الفرح بابتسامتها الدائمة، وحبها للحياة، بأناقتها وتواضعها، باحترامها للغير والكلمة الحلوة واللطيفة، بسرعة البديهة والنكتة الحاضرة. وزرعت الفرح بنوع خاص في قلوب الفقراء والمعوزين وذوي الحاجة، من قريب وبعيد، وساهمت في بناء كنائس وقاعات راعوية بتقديم حفلات مجانية، باذلة من مالها الخاص وتعبها من دون حساب فكانت ذروة فرحها انها ماتت فقيرة، من دون ان تملك شيئا".

وأضاف الراعي: "انه "فرح الانجيل" الذي يدعو اليه البابا فرنسيس. فاذا ملأ القلب، حرر من الحزن والفراغ الداخلي والعزلة، وحمل على أفعال المحبة والرحمة تجاه كل أخ وأخت في عوز وحاجة. وعت صباح موهبتها بعمر سبع سنوات، عندما كانت تغني مع فتيان وفتيات الضيعة، مشغوفة بجوقة عمها "شحرور الوادي" الذي احتضنها وأحبها وشجعها على إنماء مواهبها. وأدركت ان غنى موهبتها هبة من الله. فدخلت ذات يوم، وهي طفلة، كنيسة في جل الديب، وأهلها في زيارة لعائلة صديقة في المحلة، جثت على ركبتيها أمام المذبح تذرف الدموع وتصلي ببراءة الاطفال: "يا رب، أريد ان أصير مطربة مشهورة. حقق لي أمنيتي يا رب". استجاب الله طلبها ولم تنس ذلك، فظلت مواظبة على الصلاة في كل مساء، معتبرة ان المواظبة على الصلاة كالمواظبة على النوم، وان الصلاة سلاح نحارب بواسطته الاكتئاب والشدة في الازمات والمرض. وتميزت بعبادة خاصة للقديسة تريز الطفل يسوع، قديسة المحبة والفرح".

وقال: "اجل، الفن على تنوعه هبة من الله بمقياس وزنات الانجيل الذي سمعنا. اذا ثمر بكامله، كالوزنات الخمس، جعل الفنان او الفنانة صورة الله المبدع. هذا ما كتبه القديس البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته الى اهل الفن 1999، قال: "الله هو مبدع الجمال والخير من العدم، امام الانسان - الفنان فصانعهما بالشكل والمعنى. نقرأ في سفر التكوين، من الكتل المقدسة، ان الله رأى جميع ما ابدعه، فاذا هو حسن وجميل وانه خلق الرجل والمرأة على صورته ومثاله، واوكل اليهما اكمال عمل الخلق يصنع الجمال والخير. ويضيف البابا يوحنا بولس الثاني ان الفنان يعيش علاقة مميزة مع الجمال والخير. فمن يشعر في قرارة نفسه بهذا النوع من الشرارة الالهية التي هي الدعوة الفنية بكل انواعها، يتملكه في الوقت عينه شعور بواجب عدم التفريط بهذه القريحة بل بتطويرها لوضعها في خدمة الانسانية والمجتمع والوطن.

هذا ما فعلته صباح في كل مراحل حياتها، فأضحت فنانة كبيرة بلغت ذروة المجد في لبنان والعالم العربي وبلدان الانتشار، غنت واطربت ومثلت على مختلف المسارح، واسرت القلوب. ساهمت بالكثير الكثير في نهضة المدرسة المصرية في القرن العشرين، وفي نهضة المدرسة اللبنانية الموسيقية الغنائية الشرقية، وفي نشر الاغنية اللبنانية حول العالم، الى جانب فنانين كبار، مصريين ولبنانيين. فكانت مسيرتها متنامية ومتألقة على مدارج الفن والمجد من مصر الى بيروت وبعلبك وجبيل وكازينو لبنان، ومن باريس الى فرساي وبروكسيل، فإلى لندن ونيويورك وكندا، ومن لاس فيغاس الى سيدني. كانت اول من غنى الاغنية اللبنانية الصرف من دون تأثر بغناء عربي آخر، واول من غنى فرنسيا - عربيا في العالم العربي، واول مطربة لبنانية غنت على مسرح الاولمبيا في باريس، وثاني مطربة عربية تغني هناك بعد ام كلثوم بسنة. لقد تربعت على عرش الفن ثمانين عاما، فكانت النجمة المشعة والعلامة الفارقة التي ربما لا تعوض في تاريخ الفن اللبناني والعربي".

وتابع: "ولانها حملت راية لبنان عاليا، وجالت باسمه في العالم عبر الفن الغنائي اللبناني والعربي، واعلنته الى المستوى العالمي ، كرمتها الجمهورية اللبنانية بالعديد من الاوسمة واصدرت على اسمها طابعا بريديا. ومنحت الجنسية المصرية والاردنية والاميركية، مع اوسمة اردنية ملكية، ومغربية وسنغالية ومصرية وارجنتينية وكرمها رؤساء جمهوريات ودول: من مصر الى فرنسا واميركا وليبيا والعراق وتونس والجزائر وسوريا. وعلى اسمها سمي شارع في مدينة ديترويت من ولاية ميشيغن الاميركية وساحة في تونس. ومنحت من الرئيس الاميركي السابق لقب "سفيرة السلام في العالم".
اليوم بغيابها وغياب شاعر لبنان الكبير سعيد عقل وهما ينتقلان معا من عالمنا الى عالم الله ينكسر غصنان كبيران من الارزة اللبنانية. هذا الفقيد الكبير لقبها "بحلوة الحلوات"، والراحل الكبير الآخر الفنان وديع الصافي، الذي سبقها في العام الماضي الى دار الخلود، سماها "ملكة الاوف". وفي باريس "بملكة اناقة العالم العربي". واحد الفنانين الكبار اطلق عليها لقب "شمس الشموس".

واردف: "صباح المتألقة بالمجد رفيعة ايضا في تواضعها. في مجتمع يتآكله، ويا للاسف، الازدواجية والكذب والحق، ظهرت صباح شفافة واضحة امام الله والناس. لا لغز في حياتها ولا ازدواجية، لا وجهان ولا حياتان، بل وجه واحد وحياة واحدة، لا خبث يشوه حياتها ولا تستر. قاعدتها كلمة المسيح في الانجيل: "ليكن كلامكم نعم نعم او لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشر". ندد السيد المسيح بالازدواجيين ذوي الوجهين واللسانين، فشبههم "بالقبور المكلسة التي يبدو ظاهرها جميلا فيما باطنها ممتلىء نجاسة". ويقول لهم بصرامة: "انكم في ظاهركم تبدون للناس ابرارا، فيما باطنكم مملوء خبثا وشرا.
احبت صباح جميع الناس، وسالمت الجميع، وسامحت كل اساءة، مرددة مع مبادرة السماح "والله كبير". واستعدت للمثول امام عرش الله بروح التوبة والصلاة، مرددة صلاة المزمور: "ارحمني يا الله بحسب رحمتك، وبكثرة رأفتك امح مآثمي. فإليك وحدك خطئت، والشر امام عينيك صنعت". وأغمضت عينيها عن انوار هذه الدنيا، محاطة بدفء عاطفة الاهل والاصدقاء والمحبين وصلاتهم، راجية ان تنعم بالمشاهدة السعيدة في مجد السماء.
وإنا معكم ومع كل محبيها وعارفيها نصلي الى الله لكي يتغمدها بوافر رحمته، ويسكب بلسم العزاء على قلب ابنها وابنتها وشقيقها وعائلات المرحومين شقيقها وشقيقاتها وعمها، وعلى قلوب ابناء عائلة الفغالي الكرام ونقابة الفنانين المحترفين في لبنان. ولنسع جميعا الى تثمير ما وهب الله كل واحد وواحدة منا من مواهب ووزنات، له المجد الى الابد، آمين".

Digital solutions by