Digital solutions by

هل في لبنان وقاية من الانتحار؟

16 أيلول 2014 | 10:30

المصدر: "النهار"

يمرّ بين الحين والآخر خبرٌ عن انتحار أحدهم في منطقةٍ معينة. فيأسف سامع الخبر أو القارىء لهكذا معاناة ويتمنى لعائلة المنتحِر الصبرَ في محنتها. وفيما يمر الخبر مرور الكرام عادةً ولا يتعدى التمنيات والتحسرات، يبقى "الظل" المعتِم مخيّماً على عائلة الضحية، بما أن لجوء الشخص إلى الانتحار يعني أنه كان يمر في مرحلةٍ صعبةٍ جدّاً من حياته، ما أوصله إلى خيار الموت.

 

 

الانتحار يقتل شخصاً كل 40 ثانية

أكثر من 800 ألف شخص يموتون سنوياً جرّاء الانتحار، والرقم يرتفع إلى أكثر من ذلك بالنسبة إلى من يحاولون الانتحار، بحسب منظمة الصحة العالمية التي أكدت أن هذا المعدل مرتفع جداً، ما يعني أن الانتحار يقتل شخصاً كل 40 ثانية. فهو المسبب الثاني للوفاة في العالم لمن هم بين الـ15 و29 سنة، بحسب الإحصاء الأخير للمنظمة عام 2012.

لكن على الرَّغم من زيادة البحوث والمعرفة حول الانتحار وسبل الوقاية منه، يتواصل الحظر المفروض على إثارة هذه القضية ويستمر التعتيم المحيط بها. ووفقاً لخطة العمل لمنظمة الصحة العالمية بشأن الصحة النفسية للفترة 2013 – 2020، التزمت الدول الأعضاء بالعمل نحو الهدف العالمي لخفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10% بحلول عام 2020.

 

لا يريد إنهاء حياته، بل إنهاء العذاب

يشعر أفراد العائلة التي فقدت أحد أبنائها بسبب الانتحار أنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية، بما أنهم لم يرَوا أو ينتبهوا لتصرفاته ولنمط حياته قبل وفاته. لكن حقيقة الأمر أنهم لاحظوها ولكنهم اختاروا التنكر لها طوال الوقت، خوفاً من أن يطرحوا الموضوع ويساهموا في سوء حالته. لكن ما يجهلونه هو أن التحدث بالمشكلة التي قد تودي بالشخص إلى الانتحار يخفف من معاناة هذا الشخص ويساعده على إيجاد الحلول، بحسب ما تذكر المنظمة الخيرية البريطانية للصحة النفسية Mind، التي لفتت إلى أن عائلة الضحية قد ينتابها أيضاً حالةٌ من الغضب معتبرةً أن عمل الانتحار هو عملٌ أناني.

صحيحٌ أن من يفكر بالانتحار لا يطلُب المساعدة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس بحاجة إليها. فمن يُقدِم على الانتحار لا يريد فعلاً أن يُنهي حياته، بل يريد أن يُنهي العذاب الذي يمرّ فيه وأن يكفّ شعورُه بالألم. من هنا، تقوم مساعدته على ملاحظة العلامات المحذِّرة التي تكون مبانة في تصرفاته وألفاظه، وأخذِها على محمل الجدّ.

وفيما من الصعب تحديد ما يعانيه الشخص الذي يفكّر بالانتحار، إذ قد يعاني من الاكتئاب ومن اليأس، أو من مشكلاتٍ مادية وعاطفية وقضائية، الأكيد أنه يشعر بعذابٍ يومي لا يقدر على تحمّلِه ولا يرى أيّ حلٍّ آخر له إلا بالموت، أي إنه يرى فيه طريقاً للخلاص.

لكن منظمة الصحة العالمية تحذّر من أن السلوك الانتحاري يشير إلى التعاسة العميقة، وليس بالضرورة إلى الاضطراب النفسي. إذ لا يتأثر كثير من الناس المتعايشين مع الاضطرابات النفسية بالسلوك الانتحاري، وليس كل الناس الذين ينتحرون لديهم اضطراب نفسي.

 

العلامات "الانتحارية"

من أبرز الدلائل إلى تفكير الشخص بالانتحار هو حديثه عن رغبته بأذية نفسه، أو بأن يقتل نفسه، أي إنه يعبّر عن رغبته في إنهاء حياته بشكلٍ مباشر، لكن المشكلة تكمن في تجاهل الناس للأمر وعدم أخذ أقواله على محمل الجدّ، وهو ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر في 4 أيلول الجاري، إذ تذكر أن الناس يعتقدون أن الشخص الذي يتحدث عن الانتحار لن ينتحرَ أبداً، لكن يجب مساعدته للحصول على الدعم النفسي في الوقت المناسب.

أما ابتياعه لسلاحٍ ما فجأةً كالمسدس أو الخنجر، فيرفع أيضاً من احتمال تفكيره بالانتحار، بحسب موقع Psychology Today. كذلك الأمر بالنسبة إلى قراءة الشعر الحزين وكتابته، وسماع الأغاني الحزينة التي تتطرق إلى الموت، واللجوء إلى العزلة والابتعاد عن الحياة الاجتماعية.

وما يؤكد أنه فعلاً يخطط للانتحار هو ترتيبه لأموره الشخصية وتقسيم الإرث وكتابة وصية، ما يجعله في الأيام الأخيرة قبل عملية انتحاره التي يخطط لها، مسروراً بطريقة غريبة، ولا تفارق الابتسامة محيّاه، فيعتقد أقرباؤه أنه تحسّن وابتعد عن نمط حياته السابق، فيما هو قد دخل "بهو" عالم الانتحار، ويعلم أن موته "بيدِه" مشرفٌ بعد أيامٍ قليلة فقط.

 

أين لبنان من الوقاية من الانتحار؟

يُعتبَر الحديث عن الانتحار في لبنان (وفي العالم) فكرةً أليمة ويمكن تفسيرها على أنها تشجيعٌ على الانتحار. ونظراً لهذا التكتم حول عمليات الانتحار على نطاقٍ واسع، لا يعلم معظم الناس الذين يفكرون بالانتحار مع من يتحدثون، ما يؤدي إلى سوداوية أكثر في حالتهم وإقدامهم على الانتحار في نهاية المطاف.

لا إحصاءات في وزارة الصحة عن نسب الوفيات اللبنانية جرّاء الانتحار، بحسب منظمة الصحة العالمية، مع العلم أن معدل حالات الانتحار في لبنان هي من بين الأقل في العالم: 5 أشخاص من بين 100 ألف معرّضون للانتحار. أما قوى الأمن الداخلي، فتتدخل لتجنب الانتحار، لكن بعد أن يصبح التهديد حقيقياً أي عندما يوشك الشخص على تحقيق خطته: إما رمي نفسه من مسافة عالية، أو التسمم، أو إطلاق النار على نفسه.

ففي اتصالٍ مع "النهار"، يؤكد مصدرٌ مسؤول في قوى الأمن الداخلي أن "ليس هناك من خطٍّ ساخن أو خدمة خاصة للوقاية من الانتحار بحدّ ذاته، فرقم 112 هو لمعالجة كل الحالات، مثلما هناك رقمٌ مخصص للشكاوى على مختلف ماهياتها".

ويلفت إلى أنه في حال اتصال شخصٍ ما لعلمه بإمكان انتحار أحدهم، "نبلّغ الجهة المختصة، فيأتي إلى مكان احتمال حدوث الانتحار تحرٍّ مختص وأعضاء أقرب مخفر، إذ يتحدث الأول مع المُقدم على الانتحار بطريقة مهنية داعمة نفسياً له، تقيه من المضيّ قُدُماً بمشروعه الانتحاري".

 

الانتحار حالة اجتماعية وليس مرضاً نفسياً

يوضح الطبيب النفسي في مستشفى أوتيل ديو الدكتور رامي بو خليل لـ"النهار" أن "ليس هناك من طريقة محددة للوقاية من الانتحار، فالانتحار هو حالة صعبة في حياة الإنسان وليست مرضاً بحدّ ذاته"، مشيراً إلى أنه "عندما تتعقد الأمراض النفسية قد تؤدي إلى الانتحار، لكن لا يمكننا أن نقول إن هناك حلاً معيناً له".

ويضيف أن "ليس بالضرورة أن يعاني الشخص من اضطرابٍ نفسي لينتحر، إذ قد يفكر بالانتحار أيُّ شخصٍ يمرّ في مرحلة صعبة في حياته"، ويلفت إلى أن "الوقاية من الانتحار في حال معاناة الشخص من مرضٍ نفسي تكمن في معالجة المرض الأساسي الذي أدى إلى الأفكار الانتحارية".

والعلاج بدوره ليس محدّداً، إذ لا يمكننا اعتبار أن مضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي هو الحل الأفضل دائماً، بحسب بو خليل، إذ أكد أن الحل الأنسب هو "في مجموعة إجراءات تُتّخّذ بعد النظر في حالة الشخص "الراغب" في الانتحار"، معدّداً الاحتمالات المطروحة: "كإدخاله المستشفى، أو تعديل جرعة دوائه، أو تكثيف مراقبته...".

أما هل يمتنع الشخص عن التفكير بالانتحار مجدداً بعد وقايته منه، فيكرر بو خليل تأكيده أن "الانتحار حالة اجتماعية وليس مرضاً، ففي كل مرة يقع الشخص في ورطة يرى أنه من الصعب الخروج منها، سيفكر بالانتحار".

ويشير في هذا الصدد إلى أن "لا تغطية صحية في لبنان لمعالجة المُقدِم على الانتحار، ولا يتم الاعتراف بمضمون حالته" لافتاً إلى حالات الانتحار العديدة مؤخّراً في لبنان.

 

 clauda.tanios@annahar.com.lb / Twitter: @claudatanios

Digital solutions by