Digital solutions by

طائر البندقية يحلّق عالياَ!

28 آب 2014 | 10:55

أثناء تصوير "بردمان" لأليخاندرو غونزاليث ايناريتو.

لا تخلو دورة من دورات مهرجان البندقية من تظاهرات مطلبية. ساعات قليلة قبل انطلاق الدورة الـ71 (27 آب ــ 6 ايلول) لأعرق التظاهرات السينمائية وأبعدها زمنياً، خرج المئات الى الشارع في جزيرة ليدو رافعين اعلاماً كُتبت عليها شعارات بالايطالية. صراخ المشاركين واحتجاجهم كانا أقوى من هيصات المراهقات اللواتي صعدن فوق الأماكن المرتفعة لرؤية المشاهير يمرون على السجادة الحمراء. بيد ان المتظاهرين لم يستطيعوا الوصول الى أمام قصر المهرجان، حيث بدأ يتوافد الضيوف المشاركون في حفل الافتتاح. فالشرطة حشدت مئات العناصر الذين وقفوا جداراً عازلاً بينهم وبين الـ"موسترا". لا أحد يمزح مع الانترتينمنت هنا. على الحياة الثقافية ان تستمر من دون ان يتجرأ احد على افساد صفائها.
نهاية أفلام التوابل
غنيّ عن التأكيد ان اليوم الأول من الـ"موسترا" كان يوم الرجل الطائر. الرجل الطائر الذي هو البطل النقيض في خامس أفلام اليخاندرو غونزاليث ايناريتو (1951)، وعنوانه "بردمان ــ فضيلة الجهل غير المتوقعة". هذا المخرج المكسيكي الذي بدأ مساره قبل 14 عاماً بـ"أموريس بيرّوس"، ومذذاك وضع لنفسه نمطاً سردياً تحول على اثره الى ظاهرة عالمية تلهم السينمائيين الشباب، وها انه يأتينا بنقيض ما قدمه الى الآن، منقلباً على نفسه اولاً وقافزاً الى أبعد من طموحات معظم المخرجين اليوم. من نصوص متشظية، مبعثرة، صنعت مجده السينمائي، ينتقل ايناريتو الى شريط مبتكر، خلاق، لئيم، عبثي، مغامر، مسلٍ، يخطف الأنفاس ونكاد "نشربه" شربة واحدة. والمهم ان لا شيء يمكن توقعه. مفارقة في انتظارنا على كل منعطف. فإن احساس الزمن الذي يتصاعد من الفيلم والتوليفة التي تجعله يبدو كأنه مصوّر بلقطة واحدة، يضعان "بردمان" في فلك اروع التجارب السينمائية التي تأتينا من السينما الأميركية وأكثرها جرأة وسخرية وتحرشاً بالثوابت. "بعد أفلام توابل على الطريقة المكسيكية، كنت أريد فيلماً يشبه الحلويات"، قال ايناريتو عن حقّ في المؤتمر الصحافي الذي أعقب الفيلم، مثيراً ضحك الجميع.
على نار خفيفة
في "بردمان"، يضطلع مايكل كيتون بدور ريغن توماس، ممثل عديم الموهبة، معذب، أناني، نرجسيته لا يتسع لها الكون. فنان على حافة الانهيار العصبي. نجم سابق. "هاز بن" ــ كما يسمونه في هوليوود ــ يريد اقتباس مسرحية لريموند كارفر. اضطراره الى اسناد أحد أهم الأدوار في المسرحية لممثل اكثر كاريزماتية وحضوراً وموهبة منه (ادوارد نورتن) سيضعه امام حلقة استحقاقات جديدة. انها المرآة التي أمضى عمره وهو يحاول عدم النظر فيها. مشكلة ريغن ليست في انهياره بقدر ما هي في هذا الانهيار الذي لا يأتي. فبطلنا النقيض يموت على نار خفيفه، تحرقه وتحرق من حوله. مع ذلك، فهو من الخارج نجمٌ كبير يوقفه الناس في الحانات ليطلبوا منه صورة. "بردمان" حكاية هذا الممثل الذي نقتفي خطاه في أروقة مسرح برودواي. فالمكان هو بمنزلة بيته الأول في غياب البيت الحقيقي. من حجرته الى الخشبة، ومن صالة الماكياج الى غرف الآخرين... على هذا الشكل هي يوميات ريغن. الكاميرا التي تولى شأنها ايمانويل لوبيزكي (مدير التصوير المفضل لدى تيرينس ماليك) تعانق الشخصيات في رقصة شيطانية لا مثيل لها. نتذكر روبرت ألتمان، بول توماس اندرسون، وكباراً آخرين. مع ان ايناريتو لا يشبه أحداً ولا أحد يشبهه. اسلوبه الأصيل جذوره في تاريخ السينما.
ماترويشكا روسية
ثم هناك الأمزجة والمناخات التي تتقلب في الفيلم بسلاسة مدهشة. يغيب بعضها لتتيح المجال للبعض الآخر بالظهور. الأشياء في الفيلم يتوالد بعضها من البعض الآخر. نحن في فيلم بأفلام كثيرة. ماترويشكا روسية. مرآة داخلها مرآة داخلها مرآة اخرى. لا حدود بين هذا الشيء وذاك. مثلما لا حدود بين الحياة على الخشبة والحياة خارجها، على الأقل وفق نظرة ايناريتو. هذه الحدود تسقط ايضاً بين كيتون الشخصية وكيتون الممثل. فالممثل الذي كان يوماً بروس واين (باتمان) عند تيم برتون يؤدي هنا وظيفة مضادة لأدواره الماضية التي طبعت ذاكرة الثمانينات والتسعينات: البطل المخلص ذو اليد الممدودة للجميع. الزمن تغير. "بردمان" محاكاة لمرحلة كاملة من السينما الهوليوودية التي تمجد البطولة، لا يمكن الا ان يلتقطها المُشاهد كونها حاضرة ومجسدة على شكل ملصق فيلم "بردمان" معلق في غرفة ريغن، وكان ريغن لعب بطولته قبل سنوات. هناك ايضاً الصوت الداخلي لريغن يتشاركه معنا. انه بالاحرى صوت الشخصية التي تلبسته، تظهر متى وقع ريغن في مأزق او واجه معضلة. يبدأ الفيلم عن الشياطين التي تطارد ممثلاً، وينتهي الى ان يكون فيلماً عن شياطين يمسك بمصير أي مخلوق. هذا عمل عن أي واحد منا ينصت الى صوته الداخلي ولا يكترث له. في هذا المجال، بديع تداخل الهوامش وكيف ينتقل الفيلم من الحيز الخاص الى الفكرة الخلاصة.
كيتون: عودة العصر!
اعترف ايناريتو في مداخلاته أمام الصحافة انه لولا كيتون لما كان انجاز الفيلم ممكناً. وهذا كلام حق. فبقدر ما نحن أمام فيلم يضع الأدوات الاخراجية في صلب اهتماماته، بالقدر نفسه نحن امام رسالة اعتراف وحبّ الى الممثلين وأهمية منجزهم. وكيتون هنا جاء بما لم يكن في الحسبان وما لم نتوقعه يوماً من ممثل ذي قدرات تمثيلية محدودة. لكن اللقاء مع ايناريتو ولد شرارة من تلك التي نحبها. انها "كامباك (عودة) العصر" ــ كما قال احد النقاد، لممثل يتماهى مع الشخصية، كينونة وتاريخاً. كيتون يمثلها بأسنانه، بأظفاره، وبما تبقى له من اوهام. ايناريتو يأتي بالجمهور الى عالمه السينمائي، بدلاً من الذهاب اليه. لا يكتفي باعادة انعاش العلاقة بين الزمان والمساحة، لا بل يؤكد انه من الممكن انجاز فيلم بهذه الحيوية بين جدران مسرح. فهو يحشر عوالم كثيرة في "ميكروكوزم" المسرح، حد انه يصبح عالماً موازياً، لا بل متن العالم وليس هامشه. هناك عناصر كثيرة في الفيلم لا مجال هنا للحديث عنها بالتفاصيل. هناك ثنائيات يدمرها ايناريتو تدميراً كاملاً: الخطاب حول تفوق ممثل المسرح على ممثل السينما نظراً لاستمرارية التمثيل عند الاول، يطيحه ايناريتو عبر المَشاهد الممسرحة الطويلة التي وضع فيها ممثليه. علاقة النقد بالعمل همّ آخر يسكنه. كل هذا مغلف بدرامز انطونيو سانتشيز الذي يستمر في آذاننا ساعات طويلة بعد خروجنا من الصالة.
***
الرئيس والتيار الكهربائي
بعيداً من عالم الفنّ والـ"شوبيز"، قدّم المخرج محسن مخملباف، احد أسياد السينما الايرانية المعاصرة، فيلماً سياسياً اسمه "الرئيس" (قسم "أوريزونتي") عن رجل عجوز يقدمه الينا باعتباره ديكتاتوراً حكم بلاداً وهمية لسنوات قبل أن يطيحه الثوار. يفتتح الفيلم على مشهد "سوريالي" يتخطى حدود العقل للرئيس المخلوع لاحقاً وهو جالس على كرسيه يعلم حفيده كيف يمكن ان يتحكم بالناس عبر التحكم بالتيار الكهربائي. نراهما يتصلان بجهة تقطع التيار عندما يطلبان منها ذلك، وتعيده نزولاً عند رغبتهما. الفيلم بأكمله مغامرات هذا الرجل برفقه حفيده الطفل، وتنقلاته من مكان الى آخر هرباً من الخطر الذي يلاحقه، في "رود موفي" نبرته شرق اوسطية. لم يستمع الديكتاتور الى مطالب الشعب ورغباته، لذا عليه ان يدفع الآن ثمن التجاهل. خطاب مباشر يجعل الفيلم يبدو كنكتة في احايين كثيرة، على الرغم من الحرفة العالية التي يتمتع بها مخملباف. المشكلة في الحجة السيناريستية التي قام عليها فيلمه وليست في كيفية تقديمها، وهي حجة يصعب تصديقها. المشكلة الثانية تتجسد في اننا نعرف مسبقاً كل ما يريد قوله. "الرئيس"، خلافاً لفيلم ايناريتو، لا ينطوي على اي اختراق يُذكر، فهو يتبلور كمسار نهر يصب في المكان الذي تصب فيه مئات الأفلام ذات البال المرتاح. يبقى اننا نلتفت الى ضوء من هنا، فكرة من هناك، لكن هذا كله لا يصنع فيلماً مجيداً تصل اهميته الفنية الى أهمية الموضوع المطروح. أياً يكن، فما اراد مخملباف قوله قاله باختصار في جملة خلال المؤتمر الصحافي: "بعضهم ينسى مَن كان قبل ان يصبح صاحب قوة. يتعاطى مع النفوذ كأنها ملكه منذ الأبد".


(*) المزيد عن مهرجان البندقية في صفحة أدب فكر فن.

 

 

 

 

 

Digital solutions by