Digital solutions by

ضحايا الإنترنت: من الملام؟

5 آب 2014 | 10:21

المصدر: "النهار

تحتلّ التكنولوجيا مساحة واسعة ومهمّة في يوميّات اللبنانيين باختلاف أوضاعهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة. فالواتس آب والفايسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، باتت أشبه بالخبز اليومي لكثيرين. يستيقظون صباحًا لمطالعة أجد الأخبار على هذه المواقع، ولمتابعة نشاطات الأصدقاء وللتواصل معهم.

لكن، وكما كثير من الاكتشافات التي طوّرت الحياة البشريّة، كان للتكنولوجيا سيئات كثيرة، لعل أبرزها الاستفادة منها لاستغلال الناس، ماليًا، وعاطفيًا وحتى جنسيًا. حالات كثيرة نسمع بها تثير الريبة والحذر. البعض يكبح لجام نفسه ويأخذ الحيطة في تعامله على الانترنت، فيما آخرون يسترسلون في تعاملاتهم، والبعض الآخر يحاول الإحاطة بكل جوانب التكنولوجيا للاستفادة الكاملة منها من دون أن يمسه أي ضرر منها.

ضحايا الإنترنت
(ج.ح.) شاب تعرّف إلى فتاة جميلة على الفايسبوك، أرسلت له طلب إضافة، وهو قبلها برحابة صدر بعدما لفته جمالها. يقول في حديثه لـ"النهار" : "بدأت القصّة بمحادثات ليليّة على الفايسبوك، ثمّ تحوّلنا إلى سكايب لنتمكّن من رؤية بعضنا من خلال الكاميرا. أحببت حديثها وأثارني جمالها. ما هي إلّا أسابيع حتى تطوّرت النقاشات وغصنا في الخصوصيّات، فطلبت أن نقوم معًا ببعض الحركات الإيحائيّة أمام الكاميرا وأنا لبيت الطلب. لم أكن أعرف أنّها تصوّرني لتبتزني ماليًا لاحقًا. رضخت لطلباتها خشية معرفة زوجتي. لكني عدت وهدّدتها برفع دعوى ضدها وزجّها في السجن. انتهت الأمور كما بدأت لكن هذه التجربة علّمتني الحذر في التعامل على الانترنت".

أمّا (ب.م.) فهي فتاة كانت في بداية العشرينات عندما تعرّفت إلى شاب من خلال الفايسبوك، تسرد حكايتها لـ"النهار" وتقول : "أوهمني أنّه يعيش ويعمل في إحدى الدول العربيّة، وبعد أشهر من التواصل عبر الفايسبوك أخبرني بقدومه إلى لبنان، فالتقينا وأغدق عليّ بالهدايا الجميلة، ثم سافر. بعدها بأشهر طلب يدي للزواج وما إن تمّت الخطوبة حتى أخبرني أنّ الشركة المزعومة التي يعمل فيها أقفلت أبوابها وهو سيعود إلى لبنان ليعثر على عمل لكنه بحاجة إلى مبلغ من المال لأنّ الشركة لم تدفع تعويضاتهم. ما إن حصل على المبلغ المطلوب رحل ولم يعد".

صحيح أنّ هناك مساوئ للتكنولوجيا، لكن ألا يتحمّل ضحاياها اللوم أيضًا؟ ما هي الدوافع التي تقودهم إلى التعارف عبر الإنترنت وإنشاء صداقات وهميّة قد تكلّفهم الكثير؟ هل يحمي القانون المغفلين؟ وهل هذه التحايلات هي عمل أفراد أم جماعات منظّمة؟

نقص تشريعي
يقول المحامي جورج بشور لـ"النهار" : "ليس هناك في لبنان قانون ينظّم التعامل على الانترنت أو التجارة الالكترونيّة، أو ما يعرف بجرائم المعلوماتيّة، على الرغم من وجود مشروع قانون وثلاثة اقتراحات قوانين منذ عام 2000 لم تقرّ بعد. كلّ الدول العربيّة بات لديها تشريعات قانونيّة في هذا المجال إلّا لبنان".

الحماية القانونيّة
وعن كيفيّة حماية المواطن الذي يتعرّض لاحتيال مالي أو جنسي على الشبكة العنكبوتيّة ووسائل التواصل الاجتماعي، يفسّر بشور : "يتمّ الارتكاز إلى القانون العام والقانون الجزائي وقانون العقوبات، إضافة إلى الأخذ بمعلومات ونتائج تحرّيات مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة المستحدث والذي أثبت فعاليته في كثير من القضايا سواء المخلّة بالأمن العام، أو جرائم القدح والذمّ والتشهير، أو نشر صور خاصّة، والاحتيال".

ويضيف : "أمّا الجرائم التجاريّة الالكترونيّة فهي تحتاج إلى "الإثبات الحرّ" أي التثبت من التوقيع الالكتروني، وبالتالي لا يعتمد على محادثات وتعاملات الانترنت كدليل قاطع. لكن من الناحية الجزائيّة فهذا جرم لأنّ من الممكن إثباته بكل الوسائل ومن ضمنها الانترنت".

أمّا في ما يتعلّق بالاستغلال والتهديد بالتشهير أو نشر صور خصوصيّة يقول بشور: "إنّ التهديد بنشر فيديو أو صور معيّنة قد تكون فاضحة، يندرج قانونًا ضمن ما يسمّى بجرم إفشاء سرّ، ويعاقب عليه بالسجن حتى ستة أشهر وفق المادة 650 من قانون العقوبات. لكن بعض جرائم الاحتيال مثل طلب إرسال بطاقة تشريج خطّ خليوي أو مبلغ من المال من حساب مسروق لصديق ما، غالبًا ما لا يتمّ التبليغ عنها ولكنّها موجودة. لكن الخطر يكمن في جرائم أخطر من هنا وجب المضي بتشريع قانون لجرائم الانترنت على أنواعها".

من المُلام؟
هناك أصوات تندّد بالتكنولوجيا نظرًا لما يتعرّض له الأفراد من مواقف، فهل يجوز إلقاء اللوم على التطوّر؟ ألا يقع اللوم على الأشخاص أيضًا؟ تقول رئيسة قسم العلوم الاجتماعيّة في جامعة الروح القدس الكسليك، الدكتورة ميرنا عبود المزوّق، لـ"النهار" : "من المرفوض اتهام التكنولوجيا وإطلاق تسميات مندّدة مثل عصر الفايسبوك وجيل الواتس آب، فهذه الوسائل أغنت التواصل الاجتماعي، ولا يمكنني لوم التواصل الالكتروني في حال لم أتقن استعماله. وتاليًا من واجبات ومسؤوليّات الأهل تحصين أولادهم وتربيتهم وتعليمهم كيفيّة مواجهة الحياة واختيار الأصدقاء، وإيصالهم إلى إستقلاليّة علائقيّة تسمح لهم بإدارة حياتهم وعدم السماح لأي شخص باقتحامها وعدم احترام خصوصيّاتهم، أي عليهم معرفة المخاطر المترتبة ععلى أي تواصل لحماية أنفسهم".

وتضيف : "التربية وإحاطة الأولاد وعلاقتهم الصحيحة مع أهلهم تخفّف نسبة المخاطر في العلاقات عبر الانترنت أو في الحياة العاديّة حتى 95%. هناك مخاطر ولكن الأهمّ تعلّم كيفيّة قياسها ومواجهتها".

سبل الوقاية
وفي حديث عن الدوافع والخلفيّات التي تقود بعض الأشخاص للوقوع في تجارب مماثلة، تشرح : "أولًا الفرد الذي يعيش حياة عائليّة وعلائقيّة صحيّة مع أهله من الصعب أن يقع ضحية. ثانيًا كلّ إنسان لديه حاجة عاطفيّة وجنسيّة يبحث عن إشباعها، قد يلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لملئ هذا النقص أو إلى غيرها، علمًا أنّ المخاطر موجودة على هذه الوسائل وفي المرابع الليليّة غير القانونيّة وغيرها من الأماكن. ثالثًا كلّ إنسان معرّض للوقوع في موقف مماثل، وهنا تبرز أهميّة الإحاطة النفسيّة والاجتماعيّة والتربويّة ومساعدته لتخطّي المشكلة من غير إغفال دور الدولة ووزارتي العدل والاتصالات المسؤولة عن حماية المواطنين من هذه المخاطر".

Digital solutions by