Digital solutions by

وداع الإعلامي بألف وداع

4 تموز 2014 | 11:43

المصدر: "النهار"

لحظة الوداع هي اللحظة الأصعب والأبلغ عند الجميع. فكيف لو كان الوداع متلفزاً في نقلٍ مباشر على الهواء أمام الملايين من الناس؟ هي حالةُ العديد من المذيعين والمضيفين على التلفزيون الذين أعلنوا عن استقالاتهم مباشرةً لجمهورهم الذي كوّن علاقة صداقة معهم على مدى سنوات، بعدما دخلوا بيته عبر الشاشة الصغيرة.

 


لحظة الإعلان عن الإستقالة: عواطف وتأثّر ودموع

جاء إعلان مقدّم البرامج والكوميدي الأميركي الشهير دايفيد ليترمان، في 3 نيسان الماضي، عن استقالته من عمله في برنامجه الحواري الليلي على محطة CBS بعد عام، مفاجئاً للجمهور الأميركي. فما كان من الحاضرين في الاستديو إلا أن وقفوا مصفّقين له بحفاوة، خصوصاً أنه كسر الرقم القياسي لأطول فترة كمقدّم لبرنامج حواري ليلي عام 2013، بعدما مارس مهنته هذه طوال 31 سنة. أما الإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري فكانت مغادرتها في 25 أيار 2011 لبرنامجها بمثابة وداع مؤثّر لكل متابعيها. الأمر نفسه بالنسبة لمذيعة الأخبار جينيفير بلوم في قناة NewsChannel 5 في مدينة سانت لويس الأميركية التي أعلنت في 21 آذار من هذا العام عن مغادرتها للمهنة كلياً. من جهتها خسرت محطة 7NEWS في دنفر إعلاميَّها مايك لاندس في 8 أيار الماضي، بعدما أعلن عن استقالته مباشرةً على الهواء من وراء مكتب استديو الأخبار.

ما يجمع الإعلاميين في الحالات كافة هو تأثّرُهم وتوجّهُهم إلى الجمهور برسالة وداعية أخيرة. فليترمان عبّر عن شكره العميق لدعم المحطة له، للموظفين أعضاء فريق البرنامج وللمشاهدين في بيوتهم، وأعلمَ الجمهور أنه أحاط المحطة بقراره هذا مباشرةً قبل بدء تصوير حلقته تلك. أما وداع الإعلامية أوبرا وينفري التي قدّمت 4561 حلقة من برنامج "ذي أوبرا وينفري شوو" على مدى 25 سنة فجاء كدليلٍ دامغٍ على نجاحها، إذ حضر حلقتَها الأخيرة المميزة في ملعب "يونايتد سينتر" في شيكاغو 13 ألف شخص بتأثّرٍ شديد، حيث عبّرت وينفري باكيةً عن امتنانها للمشاهدين، وفاجأها على المسرح العديد من المشاهير تقديراً منهم لمسيرتها الإعلامية، منهم الممثل توم كروز، الفنانة مادونا، ولاعب كرة السلة الشهير مايكل جوردان.

قد تكون الحالة الأكثر بلاغة ومفاجأة هي إعلان الإعلامية مي شدياق عن استقالتها من المؤسسة اللبنانية للإرسال في برنامجها "بكل جرأة" في 3 شباط 2009، حيث لم يكن أحدٌ على علمٍ بقرارها هذا، فقالت: "نصل إلى ختام حلقتنا، والختام سيفاجىء كل من يستمع إليّ، بغصّة، نعم بغصّة. أنا قررت أن أترك". كلماتٌ قالَتها شدياق ومعالم التّأثّر واضحة على وجهها، إذ اغرورقت عيناها بالدموع ومضت في حديثها الذي استمر 6 دقائق.


يزبك وهبه: أنا ضد فكرة الإستقالة على الهواء

يؤكد الإعلامي في "المؤسسة اللبنانية للإرسال" يزبك وهبه لـ"النهار" أن لا مشكلة لديه في أن يخاطب الجمهور مودّعاً عند مغادرته مهنته، لكنه يشدّد على أنه لا يحبّذ أبداً فكرة الإستقالة على الهواء مباشرةً: "لا يجوز بالنسبة لي أن تحصل الإستقالة على الهواء. لا أرحّب أبداً بهذه الطريقة. فإذا كانت هناك مشكلة مع إدارة الوسيلة الإعلامية، الأفضل إعلامها بالإستقالة وليس بالإعلان عنها خلال البث المباشر".

وهو يرى أنه في حال مغادرتِه للـLBC ووداعه للجمهور فستكون مخاطبة مؤثّرة، قائلاً إن "شعور النوستالجيا هو ما سيغمرني. لن أشعر بالحزن ولكن بالنوستالجيا طبعاً"، مؤكداً أن مغادرة إعلاميّ لمؤسسةٍ ما لا تعني بالضرورة مغادرته المهنة كلياً بل قد ينتقل إلى شاشة أخرى، واعتبر وهبه أن ما يتحكّم بمغادرة الإعلامي لمهنته في أغلب الأحيان يكون "تقدّمه في السن. وهذه سنّة الحياة وهي أمرٌ طبيعي"، لافتاً إلى أنه عند مغادرته لوظيفته سيعلن ذلك للجمهور بالقول إنها "ستكون المرة الأخيرة التي ترونني فيها على هذه الشاشة".


الصعوبة النفسية تكمن في أن الوداع يشمل ملايين الناس

"منصة الاستديو تصبح جزءاً كبيراً من حياة الإعلامي بما أن مهنته تُختصر بها، وعندما يغادرها معلِناً عن استقالته، لا بدّ أن يظهر هذا الإرتباط العاطفي القوي بمهنته"، يشرح الطبيب والاختصاصي في علم النفس العيادي الدكتور ميشال نوفل لـ"النهار"، مشبّهاً المسألة بمغادرة الطالب جامعته لدى تخرّجه منها: "هو وداع مرحلة معينة، ولكن حالة الإعلامي تشكّل وداعاً أوسع بما أنه يشمل ملايين الناس". ويرى د. نوفل أن "ليس كل إعلامي يقوم بالإستقالة على الهواء يفعل ذلك لأن مسيرته المهنية قد وصلت إلى النهاية، فمنهم من يستقيل بهذا الشكل لإيصال رسالة معينة، معبراً عن احتجاجٍ ما مثلاً."

يشير نوفل، من جهةٍ أخرى، إلى أن التعليقات التي سيسمعها الإعلاميون بعد مغادرتهم المهنة ستتعلق ببرنامجهم ولن يتمكنوا من الإفلات من سماعها، "على عكس المحامي أو الطبيب اللذين لا يواجهان ردود فعل وتعليقات في شأن مهنتهما من كل شخص في الشارع. وهذا ما يرفع من شعور الحنين أو النوستالجيا الذي يغمر الإعلامي عند كل تعليق من قِبَل أحدهم يذكّره بمهنته". ويشدد نوفل على ضرورة أن يقوم الإعلامي بإنهاء مسيرته المهنية بشكلٍ جيد: "أولاً كي يعرف المشاهدون فعلاً خلفية قراره هذا وكي لا تحصل افتراضات وأفكار خاطئة. ثانياً احتراماً منه لجمهوره الذي طوّر ارتباطاً معيناً به".

ويضيف نوفل أن توجّه الإعلامي لجمهوره برسالةٍ وداعية على الهواء مباشرةً عند مغادرته المؤسسة الإعلامية، هي طريقة مهنية وأفضل من أن يُعلَن عنها كخبرٍ في نشرة الأخبار: "ففي هذه الحالة يشعر الجمهور بالخيبة والإستياء"، ويلفت إلى أن الإعلامي الشهير "لا يموت" معتبراً أن "مغادرة المهنة بطريقة جيدة تؤدي إلى بقاء الإعلامي حياً في ذاكرة الناس."

 

 clauda.tanios@annahar.com.lb / Twitter: @claudatanios

Digital solutions by