هل من منغّصات لفرحة بوتين بنجاح صفقة أس-400 مع تركيا؟

20 تموز 2019 | 10:33

المصدر: "النهار"

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في اليابان، 29 حزيران 2019 - "أ ب"

حساباته تبدو دقيقة، فعّالة، والأهمّ غير مكلفة. في قراءة أوّلية سريعة للتوتر التركي-الأميركي، من شبه المؤكد أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيداً وربّما مستمتعاً بهذا المشهد. تركيا العضو القديم في حلف شمال الأطلسي تصطدم بالولايات المتحدة، القائد الفعلي لأبرز ركن من أركان نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لتساؤل آخر، ما الذي يمكن أن يكون أكثر إثارة للبهجة من النجاح في خلق مزيد من التوتر بين أكبر جيشين في حلف شمال الأطلسي؟

مكاسب كبيرة ولعبة محكمة

يدرك بوتين أنّ الخلاف بين الطرفين ربما يكون قد دخل مرحلة حرجة. تمكّنت روسيا من تعميق الشرخ بين واشنطن وأنقرة من دون أن تدخل حرباً مباشرة في الآونة الأخيرة، باستثناء الانخراط الأساسي في النزاع السوريّ وما تلاه من قيادة لمسار أستانا السياسيّ. قدرة الكرملين على إقناع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشراء منظومة أس-400 هي نتيجة غير مباشرة للتحوّلات العسكريّة في سوريا.


الثلاثي الضامن لمسار أستانا. من اليمين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثم الرئيس الإيراني حسن روحاني - "أ ف ب"

حين قصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقع للجيش السوريّ في نيسان 2017 و 2018، لم تتحرّك أنظمة أس-400. لكن ما عوّض ذلك كان تشغيلها في لعبة سياسيّة محكمة: بيعها إلى واحد من أقدم الأعضاء في الناتو، وبعدها، تتكفّل النتائج بإظهار نفسها.

المكاسب التي أغدقتها الصفقة بكرم على بوتين لا تتوقّف عند هذا الحدّ. لم يستطع الرئيس الروسيّ تحقيق الإنجاز لبلاده بدون الكثير (وربّما بدون حتى القليل) من العناء وحسب، بل علاوة على كلّ ذلك، ستحصل الخزانة الروسيّة على 2.5 مليار دولار أيضاً عندما تُنجز الصفقة، مع العلم أنّ روسيا تلقّت دفعة من الحساب. من جهة ثانية، لا يمكن إغفال أنّ نجاح الرئيس الروسيّ كان له طعم خاص. لقد تحقّقت عمليّة البيع على الرغم من كلّ الوعد والوعيد الأميركيّ لتركيا كي تتراجع عن صفقتها.

وبحسب ما يظهر من تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، يبدو الأخير متلكّئاً في فرض عقوبات مشدّدة على أنقرة. وإذا نجح بوتين في خلق شرخ داخل واشنطن بين البيت الأبيض والكونغرس، إن لم يكن أيضاً داخل الأبيض نفسه، ف "العرض" أو "الاستعراض" بحسب تعبير البعض، سيكافئ الكرملين بمزيد من الإمتاع.


هنا تظهر الشكوك

بالرغم ممّا سبق، لن يكون مفاجئاً إذا لم تنتج الصفقة إيجابيّات بحتة بالنسبة إلى موسكو. بما أنّ المشاهد الجيوسياسيّة نادراً ما تكون مثاليّة، والواقع المعقّد غالباً ما يطغى على العلاقات الدوليّة، قد لا يكون بيع المنظومة الروسيّة إلى تركيا خالياً من المشاكل بالنسبة إلى موسكو.

كتب المحلّل العسكري الروسي بافل فلجينهاور مقالاً في صحيفة "نوفايا غازيتا" الروسية استعرض فيه عدداً من النقاط المثيرة للاهتمام. بداية، شاركت روسيا في صناعة أبّهة العرض عبر الامتناع عن اللجوء إلى الإجراءات التقليديّة لنقل مكوّنات المنظومة عبر السكك الحديديّة إلى ميناء البحر الأسود ثمّ نقلها إلى تركيا الأمر الأسهل والأرخص والأسرع. اختارت عوضاً عن ذلك أن تجعل العلم الروسيّ محلّقاً ضمن عرض دعائيّ بصريّ، فيما عمدت إلى نشر الأخبار حول كل رحلة جوية كانت تنقل هذه المكونات إلى أنقرة التي اختارت بدورها المشاركة في الحملة الإعلامية.


بوتين وأدروغان في قمة سوتشي، أيلول 2018 - "أ ف ب"

لكنّ الحملة الهادفة إلى إغضاب الأميركيّين والأطلسيّين بالدرجة الأولى لا تستطيع تخطّي عدد من الإشكاليّات. يذكر الخبير العسكريّ نفسه أنّ إردوغان يدرك عدم إمكانيّة روسيا في استبدال الغرب حين يصل الأمر إلى الاقتصاد التركيّ. كذلك، تفصل بين البلدين مشاكل إقليميّة كبيرة كما يحصل في إدلب. ويشير فلجينهاور إلى أنّ أنقرة ستواصل استخدام جميع الموسائل المتوفّرة لإحباط النفوذ الروسيّ في أذربيجان وجورجيا كما يذكر وجود العديد من المجموعات المؤثّرة في السلطة الروسيّة المناوئة لتركيا وإردوغان: "من هنا، أتوقّع أن يكون كلا الطرفين حذراً حول التقارب المستقبليّ".


هل من أجوبة للأسئلة الأخطر؟

ثمّة جانبان لل "حذر" المستقبليّ المتبادل بين موسكو وأنقرة. قد يكون الحذر طبيعيّاً في هذه المرحلة بانتظار القرارات النهائيّة التي ستّتخذها واشنطن مستقبلاً. كذلك، لا يلغي هذا التشكيك الضرر الذي أنزلته الصفقة بالعلاقات الأطلسيّة الداخليّة بغضّ النظر عن شكل العلاقات الروسيّة-التركيّة المستقبليّة. يضاف إلى ذلك وجود تساؤلات أخرى تنطلق من قراءة معاكسة للتطوّرات المرتبطة بالصفقة. أنتج شراء أنقرة للمنظومة الروسيّة توتّراً مع الأميركيّين بسبب قدرتها على التجسّس على مكامن الخلل المحتملة في المقاتلات الأميركيّة أف-35. لكن ماذا لو انقلبت الأمور فجأة رأساً على عقب؟ وماذا لو، بطريقة غير متوقّعة، استطاعت واشنطن وأنقرة تخطّي خلافاتهما وإعادة الدفء إلى علاقاتهما؟ ألن تكون تركيا هي التي ستسرّب تكنولوجيا المنظومة الروسيّة إلى الأميركيّين؟


أس-400 - "أ ف ب"

على الرغم من أنّ هذه الفرضيّة مستبعدة، لكن سيكون من غير المنطقيّ ألّا تكون روسيا قد أخذتها بالاعتبار. بالفعل، لم تقم روسيا بدراسة هذا الاحتمال وحسب بل اتّخذت جميع احتياطاتها بحسب مراقبين.

في حديث إلى موقع "ألمونيتور"، قال رئيس تحرير مجلّة "صادرات الأسلحة" أندريه فرولوف إنّ "الأنظمة التي أمّنتها تركيا هي نسخة تصدير من أس-400، والتي تختلف بشكل بارز عمّا تستخدمه روسيا نفسها. علاوة على ذلك، إنّ أس-400 هو نظام أقدم وتعمل روسيا الآن على نظام أكثر تقدّماً". وفي ما يقلّل من أهمّيّة ما ذكره فلجينهاور عن خلافات داخل دوائر صناعة القرار الروسيّة في النظرة إلى تركيا، قال فرولوف إنّ هذه الأمور تحصل داخل البيروقراطيّات الكبيرة. لكن بمجرّد أن تُرخَّص المبيعات العسكريّة إلى دولة أطلسيّة فهذا يعني أنّ "الوكالات العسكريّة الروسيّة المختصّة أجرت حسابات للمخاطر المرتبطة".

إذاً، إنّ شراء تركيا صفقة أس-400 لا يعني حكماً اندفاع أنقرة إلى أحضان موسكو ونهاية المشاكل الإقليميّة بين الطرفين. لكن بالمقابل، تروي تلك الصفقة بذور الشقاق بين أنقرة وواشنطن في المستقبل القريب وهذا هو الأهم بالنسبة إلى الرئيس الروسيّ. أمّا الاحتياطات المتّخذة لمواجهة مخاطر محتملة لهذه الصفقة، فيبدو أنّها مدروسة... وبعناية.

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard