هل اشترت أنقرة "أس-400" لرفض واشنطن بيعها "الباتريوت"؟

17 تموز 2019 | 12:49

المصدر: "النهار"

الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والتركي رجب طيب إردوغان - "أ ف ب"

لم تنتظر شبكة "سي أن أن" كثيراً كي تردّ على كلام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. يبدو أنّ إعلان أوّل ردود واشنطن على بداية تلقّي أنقرة منظومة أس-400 كان صعباً نوعاً ما على الرئيس الجمهوريّ. سارع الأخير إلى إلقاء الضوء على الخسائر المادّيّة وتقلّص حجم الوظائف الأميركيّة بسبب الخطوات التي ستتّخذها الولايات المتّحدة ردّاً على القرار التركيّ، علماً أنّ جوهر الخلاف استراتيجيّ بالدرجة الأولى قبل أن يكون ماليّاً. وقال ترامب الثلاثاء خلال اجتماع مع وزرائه:

"لأنّهم يملكون نظام صواريخ مصنوعاً في روسيا، ممنوع عليهم الآن شراء أكثر من 100 مقاتلة. سأقول إنّ (الشركة المصنّعة لمقاتلات أف-35) لوكهيد ليست بالتحديد فرحة. هذا يمثّل الكثير من الوظائف. وبصراحة لقد حصلت دوماً على علاقة جيّدة جدّاً" مع الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان.

أوباما مسؤول؟

إصرار ترامب على العلاقات الجيّدة مع الرؤساء الذين يجري لقاءات قمم معهم ليس جديداً. ما قد يكون جديداً في الإطار الحاليّ، اعتبار ترامب أنّ ما وصل إليه الأتراك عبارة عن "وضع صعب جدّاً أُجبِروا على أن يكونوا فيه". واللافت في كلام الرئيس الأميركيّ أمس الثلاثاء، اتّهامه إدارة الرئيس السابق باراك أوباما برفضها بيع صواريخ "باتريوت" الأميركيّة إلى تركيا، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن بديل في روسيا. لكنّ "سي أن أن" ذكرت أنّ الأمر غير دقيق لأنّ الولايات المتّحدة عملت على بيع تركيا نظام باتريوت منذ سنة 2013، لكنّ واشنطن لم ترد نقل التكنولوجيا إلى أنقرة.

ثمّة عوامل كثيرة تظهر أنّ الإشكاليّة، في جانب منها، تتعلّق بانزعاج تركيّ من عدم رغبة واشنطن في نقل التكنولوجيا. في تعليق ل "النهار"، يشرح البروفسور المشارك في مادّة الشؤون الدوليّة في جامعة أوتاوا الكنديّة سردجان فوتشيتيتش أنّ "الولايات المتّحدة دائماً مقتصدة في نقل التكنولوجيا. هذا أمر يعاني منه جميع حلفاء الولايات المتّحدة حين يشترون الأسلحة من الولايات المتّحدة، أو حين يقومون بالاشتراك في تطويرها وفي إنتاجها، كما هي الحال مع أف-35".

إشكاليّة أخرى

يوضح هذا الواقع أنّ تركيا ليست الوحيدة التي تعاني من صعوبات كهذه عند وصول المفاوضات إلى هذه النقطة، بل حتى الحلفاء في حلف شمال الأطلسيّ "ناتو". بالتالي، إذا كان الامتناع عن تحويل التكنولوجيا إلى الشاري سياسة أميركيّة متّبعة منذ زمن وليست مقتصرة على تركيا، لِمَ عمد إردوغان إلى تكبير القضيّة والمخاطرة بإيجاد شرخ مع واشنطن و"الأطلسيّ" عبر الذهاب مباشرة إلى خصمهما التاريخيّ؟

هنالك جوانب أخرى تفسّر عدم توصّل الطرفين إلى إتمام صفقة "الباتريوت". سعت تركيا سنة 2013 إلى شراء منظومة صواريخ صينيّة بقيمة 3.5 مليارات دولار قبل أن تتراجع عن الصفقة. وهذا يعني أنّ أنقرة كانت تبحث منذ زمن عن عدم إلزام نفسها بالبحث في السوق الدفاعيّة الأطلسيّة، ولم تكن تجد مشكلة في التطلّع إلى الأسواق المنافسة لها. بالتزامن، كانت تركيا تشقّ طرقها الخاصّة حتى على المستوى السياسيّ. ففي سنة 2012، انضمّت كشريك محاور إلى منظّمة شنغهاي للتعاون التي تضمّ كلّاً من الصين وروسيا إضافة إلى دول من آسيا الوسطى. تظهر هذه التطوّرات أنّ العلاقات بين تركيا و"الأطلسيّ" لم تكن يوماً راسخة بالشكل الذي يمنعها من التعرّض للانتكاسات.

ساهمت الأزمة السوريّة في تعميق الهوّة بين الأتراك والأميركيّين. في إطار الإصرار التركيّ على شراء المنظومة الروسيّة، لا يُسقط المراقبون غياب الثقة الذي يظهره إردوغان تجاه واشنطن والذي ازداد خلال سنوات الحرب في سوريا. وهذا ما تطرّق إليه أيضاً فوتشيتيتش:

"لدى اسطنبول أسباب لعدم الثقة بواشنطن: في حربي العراق الأولى ثمّ الثانية، إضافة إلى تلك الحروب الجوّيّة بينهما، ضغطت الولايات المتّحدة للقيام بمزايدتها (لشراء المنظومة) فيما كانت تدعم العراقيّين الأكراد في سعيهم نحو الاستقلال الذاتيّ. ثمّ أتى تسليح السوريّين الأكراد، ثمّ رفض الولايات المتّحدة تسليم (الداعية التركيّ فتح الله) غولن الذي يتّهمه إردوغان بالوقوف خلف الانقلاب الفاشل سنة 2016".

أكبر من مشكلة معياريّة.. أيّ نتيجة لذلك؟

واصلت واشنطن مفاوضاتها لإقناع تركيا بشراء "الباتريوت" حتى أوائل السنة الحاليّة، لكن من دون جدوى. صحيح أنّ المنظومة الروسيّة أقلّ كلفة من نظيرتها الأميركيّة (2.5 مقابل 3.5 مليار دولار)، لكنّ فرق الأسعار قد لا يكون عاملاً جوهريّاً في الخلاف. في 5 نيسان الماضي، قال إردوغان: "اقترحنا شراء باتريوت من الولايات المتّحدة، لكنّ واشنطن فشلت في تقديم أيّ شروط مناسبة لنا".

وفي 4 حزيران أشار إلى أنّ بلاده تريد شراء الباتريوت إذا تقدّمت الولايات المتّحدة بصفقة مربحة تساوي الصفقة مع روسيا. إنّما في 7 شباط 2019، ذكرت صحيفة "حرييت" التركيّة أنّ أنقرة مستعدّة لشراء المنظومة الأميركيّة "لكن ليس بشرط إلغاء (صفقة) أنظمة أس-400 من روسيا". ولم تذكر رغبة تركيا بالحصول على عرض مادّيّ أو قانونيّ أفضل.

قد يعكس غياب الوضوح العلنيّ لمزايا الصفقة التي تريدها أنقرة مع واشنطن بخصوص "الباتريوت" خلافاً في تفاصيل العقد كما غياباً عميقاً للثقة بين الطرفين. لكن حتى مسألة رفض نقل التكنولوجيا تثير إشكاليّة أخرى غير كونها مسألة غير جديدة بالنسبة للعقود الأميركيّة. فالجانب الروسيّ لم يتحدّث من جهته عن نقلّ كلّيّ لهذه التقنيّة.

في 29 حزيران الفائت، قال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إنّ "العقد يشمل نقلاً جزئيّاً لتكنولوجيّات الإنتاج". وبغضّ النظر عمّا إذا كانت تركيا أو واشنطن (بإدارتي أوباما أو ترامب) مسؤولة عن فشل المفاوضات، قد لا يشكّل ذلك فارقاً بالنسبة إلى النتيجة، وفقاً لما يختم به فوتشيتيتش تعليقه ل "النهار":

"قد يقول البعض إنّ كلّ ذلك هو تفاوض صعب معياريّ يشمل دولتين لا تزالان رسميّاً متحالفتين عبر ‘ناتو‘، لكن إذا أصبح هذا التفاوض عدوانيّاً جدّاً عند أيٍّ أو كلا الطرفين، فعندها إنّ انهياراً في العلاقات قد يحدث أيضاً".

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard