هل تحاول واشنطن تطويق الصين بمشروع "حزام" خاصّ بها؟

15 تموز 2019 | 13:43

المصدر: "النهار"

الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة مجموعة العشرين في اليابان، حزيران 2019 - "أ ب"

لا يمكنها الحصول عليهما معاً". بهذه العبارة أو بما يشبهها، يحذّر المراقبون والسياسيّون الأميركيّون أنقرة من سعيها للحصول على منظومة الصواريخ الروسيّة أس-400 وعلى مقاتلات أف-35 الأميركيّة في آن. الحديث عن تلك المقاتلات بات يذكّر تلقائيّاً بالخلاف الأميركيّ-التركيّ في الآونة الأخيرة. لكنّ لأف-35 حكاية أوسع من ذلك.

ترتبط الحكاية بأداة لتوسيع النفوذ الأميركيّ العالميّ أكان بين حلفائها وشركائها أم في مواجهة أعدائها. يرى باحثون أنّ أف-35 أبعد من كونها مقاتلات تتمتّع بمرونة كبيرة وقدرة على التحليق على ارتفاعات عالية أو حتى على أداء خمس مهامّ في آن واحد وغيرها الكثير من المميّزات التقنية. ما تستطيع هذه المقاتلات تأمينه إضافة إلى كلّ هذه المزايا، ضغط أميركيّ قادر على ضرب اقتصادات الأصدقاء وتطويق الأعداء حين تُضطر إلى ذلك.

دعوة للتخيّل

لعلّ أبرز التحليلات الحديثة في هذا الإطار برز في مجلّة "فورين بوليسي" يوم الجمعة الماضي للبروفسور المشارك في الكلّيّة الحربيّة البحريّة جوناثان كافرلي، والبروفسور في جامعة أريزونا إيثان كابشتاين، والبروفسور المشارك في الشؤون الدوليّة في جامعة أوتاوا سردجان فوتشتيتش.

بدأ الكتّاب مقالهم بدعوة قرّائهم إلى تخيّل مشروع أمنيّ واقتصاديّ عالميّ يكلّف أكثر من تريليون دولار ويمثّل أعضاؤه حوالي 46% من الاقتصاد العالميّ ويدفع الدول الصغيرة المشتركة فيه إلى الاعتماد التبادليّ على بعضهم البعض. والذين يحصلون على المشروع سيتمتّعون بمنافع اقتصاديّة لكنّهم سيتحمّلون تكلفة باهظة إذا حاولوا الخروج منه. قد تحوز "مبادرة الحزام والطريق" الصينيّة يوماً ما على التوصيف بما أنّها تشمل 40% من اقتصاد العالم لكنّ مشروع أف-35 حاز فعلاً عليه وفقاً لرأيهم.

من سيفوز؟

للوهلة الأولى، تبدو المقارنة بين مشروعين أمنيّ واقتصاديّ غير منطقيّة. فحتى المشروع الأوّل غير شامل ويقتصر على بناء مقاتلات مهما يكن تطوّرها هائلاً لن تستطيع منافسة مبادرة تضمّ مشاريع اقتصاديّة متنوّعة على مساحات جيوسياسيّة شاسعة. لكن للكتّاب رأي آخر، وأدلّة أخرى قد تثبت العكس.


أف-35، "أ ب"

بالنسبة إليهم، تستطيع دول عدّة بناء موانئ لل "مبادرة" لكن ليس بإمكان أي دولة بناء مقاتلة شبيهة بأف-35. ستشعر الدول بالضغط للانضمام إلى مشروع يؤمّن لها حظوة خاصّة والولوج إلى التكنولوجيا والعقود الفرعيّة والروابط الأمنيّة مع واشنطن. وتستغلّ الأخيرة قدرتها في ممارسة نفوذ المشروع حتى على حلفائها، كما حصل سنة 2005 حين علّقت مشاركة تل أبيب فيه لبيعها قطع "درونز" للصين فتراجعت عن خطوتها. وما ستخسره تركيا لو طُردت يساوي ثماني سنوات من كلّ صادراتها الجويّة-الفضائيّة. حتى الذين خاضوا حملاتهم بناء على وعد بإلغاء المشروع تراجعوا عنه مثل "حركة النجوم الخمس" الإيطاليّة. ويخلص الأساتذة الجامعيّون إلى أنّه "ربّما تفوز (مبادرة) الحزام والطريق في المستقبل لكنّ الواقع الحاليّ يفضّل النسخة الأميركيّة".


صراع الإرادات عبر المبادرات

قد تتطلّب مقارنة أف-35 بالمبادرة الصينيّة الضخمة جرأة في التحليل، وخصوصاً إذا صبّ الاستنتاج لمصلحة المشروع الأميركيّ، حتى ولو كان في الوقت الحاليّ. أن يكون للولايات المتّحدة "مبادرة حزام وطريق" خاصّة بها وهي عبارة فقط عن مشروع لتصنيع المقاتلات يعدّ أداة استثنائيّة في الصراع مع الصين. وإذا استطاعت الولايات المتّحدة تنويع عروضها الدفاعيّة والتكنولوجيّة والاقتصاديّة ستملك أدوات و"مبادرات" أخرى في إطار تنافسها الاستراتيجيّ مع بيجينغ. وعلى الرغم من كلّ ما سبق، لا تنتهي المقاربة عند هذا الحدّ.


أف-35 "أ ب"

فصراع الإرادات عبر المبادرات غير مقتصر على تحديد المنتصر من خلال المكاسب الماليّة العليا في مشاريعه أو من خلال كونه صاحب السبق في اجتذاب العدد الأكبر من الدول صوب مداره. بل أحد المنافع الإضافيّة في هذا الإطار هو القدرة على تحويل "الأحزمة" إلى وسيلة لخنق أو على الأقلّ تطويق المنافس. قد تقدّم اليابان مثلاً معبّراً.

خلال زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليابان في أيّار الماضي، قال إنّ طوكيو "أعلنت للتوّ عزمها على شراء 105 طائرات جديدة من طراز أف-35 الشبح... هذا الشراء سيمنح اليابان أسطول مقاتلات أف-35 أكبر من أيّ حليف للولايات المتّحدة".


ترامب يتحدث إلى رئيس وزراء اليابان شينزو آبي في أحد مطاعم طوكيو، 26 أيار 2019 - "أ ب"


يعدّ هذا الطلب إضافة كبيرة إلى طلبها الأساسيّ سنة 2011 بالحصول على 42 مقاتلة منها. يجسّد السعي اليابانيّ المتجدّد للحصول على هذا الكمّ من المقاتلات أحد الأدلّة على الجاذبيّة المتضاعفة التي يتمتّع بها هذا المشروع بالنسبة إلى بعض حلفاء واشنطن خصوصاً أولئك المحاطين بأجواء إقليميّة متوتّرة. وبحسب بعض المؤشّرات والتقارير قد لا تكون الصين مرتاحة لهذه التطوّرات.


ما سبب زعزعة موازين القوى؟

نقلت صحيفة "ذا ساوث شاينا مورنينغ بوست" عن الخبير العسكريّ في بيجينغ زو شيمينغ قوله إنّ صفقة أف-35 يمكن أن تساعد اليابان في إيجاد توازن لمواجهة تهديدات الصين مضيفاً أنّ الصفقة ستزعزع ميزان القوّة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بالنظر إلى الكمّيّة الكبيرة من المقاتلات التي طلبتها. وفيما ذكر مدير مركز دراسات آسيا-الهادئ في هونغ كونغ زانغ باوهوي أنّ شراء طوكيو لأف-35 سيزعزع أيضاً موازين القوى في بحر الصين الجنوبيّ، قال المحلّل العسكريّ المقيم في هونغ كونغ سونغ زونغبينغ إنّ الصفقة ستطلق حتماً سباق تسلّح إقليميّاً.


أف-35، "أ ف ب"

بناء على هذه النقاط، يمكن فهم الأسباب التي ترفع مشروع أف-35 إلى مصافّ "مبادرة حزام وطريق" خاصّة بالولايات المتّحدة. فما ستملكه اليابان ليس كافياً لتحسين مستوى حماية أرخبيلها وحسب بل ستمتدّ آثاره إلى بحر الصين الجنوبيّ الذي يشكّل مكمناً هائلاً للنفوذ والتمدّد العسكريّ الصينيّ، مع ما يعنيه ذلك من مواجهة بيجينغ لقوّة أمنيّة متزايدة على حدودها الشرقيّة والجنوبيّة.

وإذا تمّ أخذ نيّة كوريا الجنوبيّة وأوستراليا شراء ما يفوق مجموعه 110 مقاتلات أف-35، فعندها يمكن الصين أن تشعر أكثر بتطويق "الحزام" الأميركيّ لنفوذها في المنطقة الحيويّة الأقرب إليها. فهل تكتفي بتطوير أسطولها الجوّي الخاص من "جاي-20" أم يكون لها خطوات إقليميّة ودوليّة أكثر تشدّداً؟

لوحة سمير تماري: "التحليق فوق العقبات"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard