شراشف مجعلكة

13 تموز 2019 | 11:45

المصدر: "النهار"

اللوحات لرينه ماغريت.

يقول أندره بروتون عن الشعر ما يأتي، في "البرج الصاعد" الصادر لدى "غاليمار" في العام 1949: كما الحبّ، يُصنَع (يُكتَب) الشعر في فراشٍ/ شراشفُه المجعلكة هي فجر الأشياء.

يستطيع رئيس الحركة السورياليّة وزعيمها أندره بروتون، الذي يسمّيه أنسي الحاج "ملك ملوك الجانّ"، أن يقول ما يشاء عن الشعر، وفيه. هو شاعرٌ، وهو حرٌّ في شعريّته هذه (وفي الحبّ)، شأنه في ذلك شأن الأحرار الذين يطلقون العنان لأفراس لاوعيهم، وصهيلها، مُشلِّقين الصخور، متجاسرين على الحافّات والهاويات الخطيرة، مقتحمين الوعر التخييليّ، فاتحين الينابيع على أرحامها الخصيبة، ممعنين في مراودة الأماكن اللامرئيّة واللامعلومة، بوصلتُهم رعشاتُهم، ورغباتُهم، وغرائزُهم، ونشواتُهم، وحدوسُهم، كما أعينُهم المغمضة الرائية كلّ شيء، والمدركة كلّ شيء، لا بالعلم، بل بقوّة العقل الباطن.

بوصلتُهم الرائية، هي مكبوتاتُهم المرفوعُ عنها غطاء التحفّظ والرقابة والقمع الذاتيّ.

أنا محضُ كائنٍ جاهلٍ. لا أعرف كيف يُصنَع الشعر، ولا كيف يُكتَب. كما لا أعرف كيف يُصنَع (يُعاش) الحبّ، ولا كيف يُكتَب (هل يُكتَب الحبّ؟!). فليسامحني أندره بروتون بسبب جهلي وسذاجتي.

أنا من جهتي، سأسامحه لأنّه يظنّ نفسه عارفًا ومعرِّفًا، ولأنّه يضع قوانين(؟!)، ويدلّ الجَهَلَة والسذّج والمفتَّحي الأعين (أو المُغمضينها) مثلي إلى الشعر وإلى الحبّ على السواء.

مشكورٌ هو أندره بروتون، ومعذور. فمَن استطاع مثله أن يقترح "مانيفستًا" خطيرًا للحياة وللحلم وللكتابة، ومَن استطاع مثله، مع رفاقه قطّاع طرق الخيال، أن "يحتلّ" باريس، قصائدها، نساءها، بروقها، صواعقها، شموسها، أقمارها، أمطارها، لياليها، مقاهيها، وأرصفتها، يمكنه أن يقول ما يشاء. وأن يكتب ما يشاء. وأن يحبّ كما يشاء.

مبارَكٌ هو أندره بروتون، لا لأنّه قدّيس (وقد يكون!)، ولا لأنّه يشبّه الشعر بالحبّ (وهو يرتكب!)، بل لأنّه يرى. لكنْ، أكان هذا الأندره يرى بالعين أم بسوى ذلك من عيون؟ أبالحواسّ أم بالعقل الباطن؟! ثمّ، وهذا هو لبّ المسألة، ماذا كان يرى؟

إنّه كان يرى "فجر الأشياء". فلننتبه جيّدًا: فجر الأشياء. أو فجر الكون. أو فجر الكائنات. أو فجر الحياة. وكان يرى لِمَ لا: فجرَ الشعر، وفجرَ الحبّ! كما لو كان هذا الرجل الزنديق، إلهًا يرى!

أمّا أنا الجاهل الساذج، فأعذر أندره بروتون هذا، وأشكره، وأباركه. لكنّي، بلا ضغينةٍ، وبلا حقدٍ، ومن دون أيِّ إحساسٍ بالغيرة، أو أيّ شعورٍ بالنقص، أرى من برجيَ الصاعد، ومن برجيَ المائيّ، أرى الشعرَ والحبَّ، ولا أعرف ماذا أرى، ولا أعرف كيف.

لا أعرف ماذا، ولا أعرف كيف، ولا أعرف مطلقًا. فأنا أكتب وأحبّ. وأظلّ أكتب وأحبّ، ولا أعرف ماذا وكيف. لا الشعر أعرفه، ولا الحبّ. متوهّمًا – على رغم وقاحتي أحيانًا عندما أزعم وأعرف وأعرّف - بأنّهما لا يُعرَفان، ولا يُدرَكان، ولا يُعرَّفان. وكلّما توهّمتُ أنّي أعرف وأُدرك وأعرّف، تبيّن لي كم أنّ جهلي عظيمٌ، وكم عذابي فيهما – الشعر والحبّ - لا يُحتمَل.

أشراشف مجعلكة، هو الشعر والحبّ؟ أهما فجر الأشياء؟

لستُ أدري، وإنْ كنتُ أزعم أنّي أدري!

Akl.awit@annahar.com.lb

سرّ تحضير كرات الشوفان بالموز والكاكاو... خلطة سحرية لأطيب حلوى!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard