"سترات صفر" في بيروت... "لنعبر الطريق بأمان"

11 تموز 2019 | 21:22

المصدر: "النهار"

تصوير نبيل اسماعيل.

قد يعتاد المواطن رداءة الوضع القائم في بلده، وقد يعتاد استشراء الفساد في مجتمعه، لكنّ المواطن اللبناني اعتاد على مدى أعوام خلت تقاعس الدّولة في مجالات عدّة، وسعي الجمعيات الأهلية ومبادرات المجتمع المدني الفردية الحثيث إلى ردم الهوّة بين المواطن ودولته، والتي أحدثها هذا التّقاعس.

إذا كانت "السّترات الصفر" قد غزت الشوارع الباريسية قبل ثمانية أشهر حاملةً شعارات ومطالب الشّعب، فإنّ سترات صفراء من نوعٍ آخر لوّنت شوارع بيروت المزدحمة، حاملةً شعاراً أكثر بساطة، بديهيّاً كحقوق الإنسان، أساسيّاً كعناصر الحياة: "لنعبر الطريق بأمان".

الخطوة التي قامت بها جمعيّة "كن هادي" للسلامة المروريّة، الثلثاء، عند إشارة التباريس، بالتعاون مع بلدية بيروت والمحافظ القاضي زياد شبيب، والتي ستختتم غداً عند جسر الحديد في محلّة مار مخايل، جمعت التّسلية بالإرشاد، بعيداً من الإيعاز، إذ تعاونت الجمعيّة مع فرقة متخصّصة بالألعاب البهلوانيّة وقف المشاركين فيها عند الإشارات الضوئية، بسترات صفراء ملفتة للنظر، عملوا على إيقاف السيارات قبل معبر المشاة ذي الخطوط البيضاء العريضة، والتي طلبت الجمعية من بلدية بيروت معاودة طلائها وتحديدها تمهيداً للحدث.


بخفّةٍ وعفويّة، رقص المؤدّون المحترفون على المساحة المخصّصة للمشاة، يدفعهم حماس الشّباب، وأدّوا ألعاباً بهلوانيّة وأخرى رياضيّة، كما رفعوا إشارات السير الثلاث "ممر للمشاة"، "إنتبه إشارات كهربائية"، و"ممنوع التجاوز"، فاسترعت انتباه السّائقين ودفعتهم لمشاركة العرض مع متابعيهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فغزت بذلك فيديوات المبادرة منصّات العالم الافتراضي في غضون ساعات، وعمّم عددٌ كبير من السّائقين صوراً للمناشير التي وزّعها عليهم المتطوّعون. وكأنّ هؤلاء بخطواتهم المترنّحة يقولون للسّائقين: "هذه المساحة مخصّصة لنا نحن، نريد أن نستفيد منها طالما إشارتنا خضراء وإشارتكم حمراء!".

"المشاة هم من أضعف العناصر التي تسير على الطريق"، تقول لينا جبران، نائبة رئيس "كن هادي"، و"غالباً ما نقود سياراتنا ومركباتنا دون احترامهم، مع أنّ الجهات المتخصّصة خصّصت مساحة للمشاة، إلّا أنّ قلةً تحترمها، تاركةً المجال أمامهم للسير بأمان وهدوء". من هنا، عزمت الجمعيّة على القيام بمبادرة فريدة قلّ نظيرها في لبنان وحول العالم، تجمع التوعية حول حصريّة هذه المساحة للمشاة، بالتّسلية والمرح، دون الحاجة "لحمل العصا"، على حدّ تعبير جبران، التي تفاجأت بمشاركة جمعيّات السلامة المرورّية المنتشرة في بلدان أوروبية مختلفة لفيديوات المبادرة وصورها، وتتابع: "نقوم بحملات شبابيّة، هدفها الأول الشباب، تحكي لغتهم، وتحاكي تفكيرهم، لذا نسعى قدر الإمكان لأن نتقرّب منهم وننتهج تفكيرهم، باحثين دوماً عمّا يلفت انتباههم ويوعّيهم".

هذه الخطوة من شأنها أن تضاف بفخرٍ إلى مجموعة المبادرات التي قامت بها "كن هادي" منذ 12 سنة، والتي باتت تدرَّس في الجامعات اللبنانيّة كالجامعة الأميركية في بيروت، جامعة الروح القدس – الكسليك، والجامعة الأميركية اللبنانيّة. وتجزم جبران أنّها لن تكون الأخيرة، مع أنّ الوضع الاقتصادي المتردّي بات ينعكس سلباً على رعاة نشاطات الجمعيّة الذين اضطرّوا لشدّ الخناق على ميزانيّاتها، علماً أنّ الجمعيّة لم تتعاقد حتّى اليوم مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وبالتّالي لم تتلقَّ بعد أي دعم مادّي منها.

تختم لينا جبران حديثها برسالة من "القلب إلى القلب" تتأثّر كلّما وجّهتها إلى الشّباب، قائلةً: "بينما تقودون سيّاراتكم، فكّروا بالذين يحبّونكم وينتظرونكم لكي تعودوا إليهم مع نهاية اليوم...".

الجدير بالذّكر والمبشّر بالخير، هو أنّ بلديّات عدة اتّصلت بالجمعيّة، مهنّئة القيّمين على المبادرة، ومستعدة للتّعاون معها، وعلى رأسها بلديّة جبيل التي تدرس الموضوع بجدّيّة، علّ عدوى ثقافة السّير والوعي حول آدابه تنتقل من مدينة إلى أخرى لتنتشر في لبنان بأكمله.








إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard