الخيّاط الحفّار... مهنة التألّق والذوق الرّفيع

10 تموز 2019 | 21:07

المصدر: "النهار"

"فتت عالمصلحة عمري ١٨ عاماً، والآن عمري ٧٦ عاماً، والحياة للشباب"

بين خالد الحفّار وإبرته، رفقة عمر وحكاية عشق لا ينفصم. بدأ الخياطة في الثامنة عشرة من عمره، مستخدماً الإبرة والخيط، وقليلاً الماكينة للدرز. يناهز الستة والسبعين من العمر، ولم يكلّ، ولم يضجر، وما زالت الخياطة، بإبرتها، وخيطها، شغله الشاغل، وشغفه، فالخياطة بنظره مهنة الذوق والتألق.

وفي المحل الحامل لاسم عائلة الحفّار، في شارع التلّ، يزاول خالد (أبو وليد) حرفته قابعاً خلف "ماكينته" طوال النهار، ملتصقاً بواجهة محلّه الزجاج التي تكاد تصبح جزءاً من جسده، يعمل طوال النهار بشكّ الإبرة، وتمريرها في القماش، وبين الشكّة والشكّة، لفتة إلى الخارج، حيث يمر عابر سبيل، يلقي التحية، فيردّ خالد بأجمل منها، فمَن لا يعرفه بعد كل هذا العمر في المهنة، وفي المحل ذاته؟!

تمرّ السيارات في الشارع من دون توقف، والعابرون لا يهدأون مهما كانت الظروف، فتشكّل لخالد مصدر تسلية، ذلك رغم تراجع الحركة على التل، ففي الستينيات والسبعينيات، كانت حشود المارة تمنع العبور إلا بصعوبة، وكان "التل" أحدث وأجمل وأثرى شوارع المدينة، وربما شوارع لبنان، بمحلاته التجارية المتنوعة والراقية، يقصده الناس من كافة المناطق اللبنانية، خصوصاً المجاورة لطرابلس، كما من مختلف مدن سوريا مثل حمص وطرطوس واللاذقية وحماة وحلب، حيث يقوم موقف لسياراتها على التل حتى اليوم.

أسس المحل سنة ١٩٣٧ الوالد منيف الحفار (مواليد١٨٩٨)، والتحق خالد بوالده يعمل معه في الخياطة، ويكتسب تقنياتها وخبراتها، بعد أحداث ١٩٥٨، المعروفة بالثورة. ترك خالد المدرسة في تلك السنة، ويبدو أن كل الأمور تراجعت جراء أحداث "الثورة" وغياب السلطة عن المدينة. وكانت الخياطة حرفة "الخواجات" والذوق الرفيع، ومنيف يتقنها، فلم يكن أمام خالد إلا أن يتابعها معه.

أورث منيف مهنة الخياطة لخالد واثنين من أبنائه، وبينما آثر خالد البقاء قرب الوالد يعمل معه، هاجر الأخوان الآخران إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعملا في المهنة عينها في مدينة لوس أنجلس، بحسب ما أفاد خالد "النهار"، ذاكراً أن أحد زبائن محلهم الأميركي كان "الرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي كان يعمل في التمثيل، وكان على علاقة طيبة مع أخوي"، كما قال.

الوالد منيف الحفار.

أما لماذا تعلّم كل الأبناء مهنة منيف، يقول خالد إن والده لطالما أوضح له أن السبب هو رغبته في أن "لا يحتاجوا أحداً في حياتهم"، مشيراً بذلك إلى جودة المهنة، وإمكانية العمل الجيدة فيها، إضافة إلى أن تعاون أبناء العائلة الواحدة هو أمر أفضل من الاعتماد على أشخاص من خارجها.

حول ذلك، أفاد خالد أن "محل والدي كان يعجّ بالعمال، فعلى التتخيتة لوحدها، كان يساعد الوالد ١٦ عاملاً، (مع أن مساحة الصالة السفلية لا تتعدى العشرة أمتار مربعة)، وأن العمل كان يدوم ليلاً ونهاراً دون توقف"، لافتاً إلى ألفي زبون من البريطانيين الذين كانوا يعملون في منشآت نفط طرابلس، فقد "كانوا جميعاً زبائن محلنا، ومن بينهم مدير عام شركة نفط العراق على مستوى الشرق الأوسط. كما كان عبد الحميد كرامي، وراشد المقدم، وغيرهم من قيادات المدينة السياسية، من زبائن المحل، ومرّ فيه مرة واحدة قائد الجيوش الفرنسية شارل ديغول حيث خاط له الوالد طقماً، لكن لم تتكرر الزيارة".

عن سبب اختيار الحفّار من قبل كل هؤلاء الزبائن، يقول خالد: "كان الوالد دبلوماسياً، ولم يكن طماعاً، فأحبه الجميع، ونحن نتقن مهنتنا، ونحبها، ولا نريد أن يخرج الطقم من أيدينا إلا كاملاً، وهذا ما أدهش مدير المركز الثقافي الفرنسي في طرابلس عندما خِطت له طقماً في السبعينيات".

مخضرم مساعد للحفار.

وككل المهن والأعمال في لبنان، تمرّ المهنة الاحترافية بأزمة منافسة صناعة الآلات الحديثة السريعة، ولذلك تراجع كثيراً عدد الزبائن، يقول خالد، ولم يبق إلا القلة القليلة، وبتنا لا نخيط إلا بحدود ٨-١٠ قطع سنوياً، وتكتفي غالبية الناس بطقم من السوق بخمسين دولاراً، أو مئة وخمسين دولاراً، بينما تصل أجرة الطقم عندي لـ٣٥٠ دولاراً، عدا عن القماشة التي تناهز أحياناً هذا المبلغ"، ويستدرك بقوله: "يعني الطقم يكلّف ما بين ٧٠٠ و١٠٠٠ دولار". تضاف إليها زيادة لإيجارات والرسوم والنفقات مما يعيق العمل، ويجعله متراجعاً دائماً.

ويقارن مهنة الخياطة مع بيروت حيث "تبلغ أجرة الطقم ٧٠٠ دولار، ومع ذلك فالعمل في بيروت أفضل بكثير من هنا".

أما بالنسبة للخارج، فيذكر نقلاً عن أحد زبائن المحل، وهو الوزير السابق الشهيد محمد شطح، أن "أجرة الطقم في إنكلترا هي خمسة آلاف جنيه استرليني، وعليك أن تنتظر ثلاثة أشهر لإنجاز الطقم".

يؤكد خالد أن خياطة الطقم تستغرق ١٨ يوماً، وكل العمل يدوي، ويعتمد قليلاً جداً على آلة الخياطة لدرز أماكن قليلة غير ظاهرة في الطقم. أما إيجار الطقم فقد ازداد مع ازدياد الغلاء، فبعد أن كان بمئة ليرة في السبعينيات، حيث رواتب الموظفين العاديين بلغت أقل من٣٠٠ ليرة شهرياً، أصبح بـ١٥٠، وازداد مع ضعف الليرة بصورة متواترة.

والقماشة تتراوح بين الجوخ شتاء، والجوخ المصنوع من صوف ناعم، أو الكتان صيفاً، ومن الزبائن من يختار البوليستر - النايلون لأنه يحافظ على الطاقم مكوياً.

تعود به الذكرى إلى أيام العزّ الخالية، ينهي خالد حديثه باسماً بالقول: "فتت عالمصلحة عمري ١٨ عاماً، والآن عمري ٧٦ عاماً، والحياة للشباب".

الازياء الاستوائية آخر صيحات الموسم. كيف ترتدينها؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard