المجلس العدلي بين السياسة والعدالة الإلهية

10 تموز 2019 | 00:30

يُنقل عن السير ونستون تشرشل قوله: "رأيت وانا أسير في احدى المقابر ضريحا كُتب على رخامته: "هنا يرقد الزعيم السياسي والرجل الصادق"، فعجبت كيف يُدفن الاثنان في قبر واحد!"، فيما حسم الفيلسوف ارسطو بالقول: "ليس ثمة نظام مقبول خارج القانون".

هذا يعني ان للسياسة عالمها الخاص ومبادئها المتغيرة بتغير الأمكنة والازمان، فيما يبقى القانون الصامد الأول والأخير ولا تغيره سوى ظروف وضعه وفقاً لمنطق الاستقامة والعدالة في سبيل مجتمع تسوده قوة السعادة في وجه سعادة القوة.

من هنا تأتي هذه المقاربة لدراسة المجلس العدلي في لبنان كمؤسسة متضامنة رفيعة المستوى، خطيرة المهمات، نصّت على صلاحياتها ونظّمتها بدقة متناهية مواد محددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الاخير الصادر بتاريخ 7/8/2001 والمعدل بتاريخ 16/8/2001، وهو يشبه جهات معتمدة في دول أخرى غالبا ما تسمى محكمة امن الدولة، ما يعني جسامة الجرائم المحالة عليه ومدى تأثيرها المباشر وغير المباشر على حياة الناس من مختلف جوانبها الأمنية، الاجتماعية والاقتصادية وحتى الدينية منها في كثير من الأحيان. ومن هنا جعل مجلس الوزراء مجتمعاً الجهة الوحيدة المخولة احالة جرائم كهذه على المجلس المذكور بمرسوم يصدر نتيجة المداولة في ظروف وعواقب ارتكاب الجرائم من ضمن ما نصت عليه مواد قانون العقوبات العام. فالمواد التي يذكرها هذا القانون من المادة 27 وحتى المادة 336 ضمناً والجرائم المنصوص عنها في قانون 11/1/1958، اضافة الى الجرائم الناتجة من صفقات الأسلحة والاعتدة التي عقدتها او تعقدها وزارة الدفاع الوطني، والجرائم المرتبطة بها او تلك المتفرعة عنها ولا سيما المنصوص عنها في المواد 351 حتى 366 ضمناً من قانون العقوبات، وفي المادتين 138 و141 من قانون القضاء العسكري.

وبالنظر الى أهمية القرارات التي يصدرها المجلس العدلي، فانه يتألف من الرئيس الأول لمحكمة التمييز رئيساً ومن أربعة قضاة من محكمة التمييز أعضاء، يعيَّنون بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى، فيما يمثل النيابة العامة لدى هذا المجلس، النائب العام التمييزي او من ينتدبه عنه من معاونيه، وتجرى المحاكمة، وجاهية كانت ام غيابية وفقا لأصول المحاكمة لدى محكمة الجنايات، ويصدر المجلس حكمه وفقا للأصول ذاتها. والاهم من كل ما تقدم ان أحكام المجلس إياه لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية، الامر الذي يعني تعويل المشرّع على مدى العلم والخبرة والاستقلالية المطلوبة في قضاة هذا المجلس، إضافة الى المتابعة الاستثنائية للمحاكمات أمامه من جهة النيابة العامة التمييزية وقضاة التحقيق الذين يعيَّنون خصيصا لإنجاز مختلف مراحل المحاكمة المطلوبة، وحتى صدور القرار النهائي بإجماع الآراء او اكثريتها، ما يعني كذلك، انه بعد هذا القرار لا سبيل لإعادة النظر بأية حيثية من حيثياته سوى من الله تعالى.

هو إذاً من المحاكم الاستثنائية التي نص على تأليفها قانون العقوبات كالمحكمة العسكرية، ومحكمة الاحداث، والمجالس المتخصصة للنظر في جرائم الاحتقار والمجلس الأعلى (المادة 60 وما بعدها من الدستور اللبناني).

ان العمل على الاجتهاد السياسي خارج نطاق المواد التي نص عليها كل من قانون العقوبات والأصول الجزائية لجعل المجلس العدلي ناظراً في قضايا غير ما ورد في كل من هذين القانونين، امر مرفوض بكل الاعتبارات وغير مقبول على صعيد المهنية القضائية، وبالتالي تسخير للسلطة التي منحها الدستور الاستقلالية الكاملة للقيام بمهمتها خارج المطلوب منها، مما يعرّض أعمدة النظام القضائي في الدولة للانهيار.

وبالعودة الى الكثير من القضايا التي احالها مجلس الوزراء على المجلس العدلي، يتبين بوضوح كم انها قضايا حساسة وخطيرة على مستوى الوطن ولم يكن بالإمكان ابقاؤها لصلاحية المحاكم الجنائية العادية، ومن تلك الدعاوى على سبيل المثال لا الحصر، تفجير كنيسة سيدة النجاة، واخفاء الامام السيد موسى الصدر ورفيقيه، وقتل الزيادين القاصرين قبلان وغندور ورمي جثتيهما على شاطئ جدرا وأحداث عبرا، واغتيال رئيس الجمهورية بشير الجميل، وهذه في مجملها كأمثلة فقط تشكل تعديا صارخا على امن الدولة الداخلي واستمرارية عمل مؤسساتها، الامر الذي يساعد على القول بان حادثة قبرشمون أخيرا، على خطورتها، لا تصل الى درجة الجرائم المشار اليها كونها بقيت في محيط حصولها محصورة في منطقة محددة ولأسباب فورية غير مخطط لها وبين أفرقاء من طائفة واحدة، ولا يتحمل تسييس ما تقدم الوصول بها وبذيولها الى قوس المجلس العدلي، ومن دون اية مبررات مقبولة سواء في القانون العام او في ضوء احكام الدستور.

خلال مسيرتي القضائية تجنبت عن قناعة مطلقة عدم الخوض في غمار سوق النخاسة السياسية كوني من تلامذة عمالقة القانون امثال مصطفى العوجي ويوسف جبران وادمون نعيم. ولكن كوني اصبحت في سنوات التقاعد، اسمح لنفسي بان أقرأ حادثة قبرشمون من منظار عضو مجلس قضاء اعلى ذاق تسلّط الساسة على القضاء.

ان المحاكم الاستثنائية، ومن ضمنها المجلس العدلي والمحكمة العسكرية، تأتي لتهين مفهوم العدالة والقانون كون معظم القضايا التي تطرح امامها تصلح ان تكون امام قاضٍ متدرج او اي محكمة عادية، وان بقاء محاكم التفتيش تلك تبقي على قضاء ضعيف ومقيد، واي كلام عكس ذلك هو استخفاف بعقول البشر.

وللمفارقة ان المطالبين حاليا باحالة واقعة قبرشمون وغزوة باسيل على المجلس العدلي هم انفسهم حلفاء قوة محلية واقليمية قامت بشكل منظم ومنهجي بتقويض الدولة اللبنانية واضعاف مؤسساتها القضائية والعسكرية.

ان غلاة المجلس العدلي هم انفسهم يغطون السلاح غير الشرعي ويريدون فقط استعمال القضاء كسلاح للانتقام من الزعيم وليد جنبلاط وكل القوى التي ترفض هيمنة السلاح على الدولة. فمن اراد حقاً ان يصدر القضاء احكامه "باسم الشعب اللبناني" عليه اولا و اخيرا ان يترك القضاء وحده وان يمتنع عن نبش القبور، او يواجه العدالة الالهية التي باعتقادي هي الوحيدة القادرة على انقاذ لبنان واللبنانيين من أنفسهم.

■ عضو المجلس العدلي سابقاً.

هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard