صفقة القرن وأبعادها الاقتصادية

5 تموز 2019 | 14:03

المصدر: "النهار"

كوشنير وترامب ونتنياهو.

إن أول منظّر لقيام سلام عربي-إسرائيلي من بوابة الاقتصاد هو شيمون بيريز في كتابه "الشرق الاوسط الجديد"، وذلك من خلال إنشاء مشاريع واستثمارات مشتركة تحقق الازدهار والرفاهية لشعوب المنطقة كافة، ويكون اليهود جزءاً من منظومة الشرق الأوسط. ومع الإدارة الأميركية الجديدة وعقلية ترامب المهووسة بالمال والصفقات، تسعى الأخيرة إلى تسوية القضية الفلسطينية تحت ما يُسمى بـ"صفقة القرن". وما مؤتمر البحرين "السلام من أجل الازدهار" إلا المدماك الأول في هذا المسار. وقد بدأت الإدارة الأميركية فعلياً بسياسة الخنق الاقتصادي وبالضغط على الفلسطينيين وتجويعهم للاستسلام والقبول بهذه الصفقة، حيث قامت بتخفيض مساعداتها للفلسطينيين من 359.3 مليون دولار (سنة 2017) إلى 65 مليون دولار سنة 2018 قبل التوقف عن تقديمها، ووقف مساعداتها لمشروعات الوكالة (الأونروا) والتي تصل إلى 30% من مجموع مشروعات الوكالة في المنطقة. وتم أيضاً إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن في أيلول الماضي.كما تمّت إعادة النظر في المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية في ضوء سلسلة من التشريعات التي أصدرها الكونغرس الأميركي ومصادقة الرئيس ترامب عليها، وتشمل إعادة توجيه بعض المساعدات التي كانت تقدّم للسلطة الفلسطينية، إلى جهات أخرى.

تقوم صفقة القرن في أبعادها الاقتصادية على التالي:

- الازدهار والمال مقابل السلام بدل الأرض مقابل السلام

تستغلّ الإدارة الأميركية الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين ولبعض البلدان المجاورة مثل الأردن ومصر ولبنان لتمرير صفقة القرن. وتركّز الخطة على المحفّزات الاقتصادية عبر تقديم رشوة للتجّار الفلسطينيين بتحسين الأوضاع الاقتصادية في الضفة وغزّة، ورشوة للدول المُضيفة للاجئين الفلسطينيين لتوطينهم والتخلّص نهائياً من حقّهم بالعودة. وقد أعلن البيت الأبيض رسمياً ملامح الخطة الاقتصادية في صفقة القرن. إذ تسهم الدول المانحة والمستثمرون بنحو 50 مليار دولار من بينها 28 ملياراً تذهب للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة و9 مليارات لمصر و7.5 للأردن و6 مليارات للبنان. يأتي 15 مليار دولار من المنح و25 ملياراً من قروض مدعومة، والباقي من رأس المال الخاص. ونلاحظ أن حوالي نصف التمويل هو عبارة عن ديون بفوائد متراكمة لتكرار النموذج اللبناني وإخضاع الفلسطينيين مستقبلاً من خلال هذه الديون. وكذلك إشراك المال الخاص لفتح المجال أمام الشركات الأميركية والإسرائيلية للتغلغل في الاقتصاد الفلسطيني والتحكم به، وما يستتبع ذلك من تحكم سياسي. سيجري تمويل 179 مشروعاً للتنمية الاقتصادية من بينها 147 مشروعاً في الضفة الغربية وغزة و15 في الأردن و12 في مصر و5 في لبنان. على أن يمتدّ تنفيذها على عشرة أعوام، بحسب البيت الأبيض. وتستهدف إيجاد مليون فرصة عمل للفلسطينيين، ومضاعفة إجمالي ناتجهم المحلي، وإلى خفض معدل الفقر الفلسطيني بنسبة 50%. إذاً، تقوم هذه الصفقة على بيع القضية الفلسطينية بالمال وكأنها سلعة تباع وتُشترى. لذلك يعرض ترامب أن يغرق الفلسطينيين بالمال في الصفقة إذا توقفوا فقط عن المطالبة بإقامة دولة مستقلة ووضع حدّ للاستيطان.

- تبدّل في جغرافية دول الصفقة

إن أخطر ما في صفقة القرن هو الاعتراف والتكريس الرسمي العربي لما يُسمى دولة "إسرائيل"، وقضم نسبة كبيرة من مصر، وتحويل دولة الأردن إلى حكم ذاتي منزوع الصلاحيات، وإنشاء دولة جديدة إسمها فلسطين الجديدة. حيث تضم الأخيرة غزة والضفة الغربية وظهيراً شاسعاً من الأراضي المقتطعة من شمال سيناء يصل إلى 720 كيلومتراً مربعاً، ويبدأ من الحدود المصرية مع غزة حتى حدود مدينة العريش. وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول ٢٤ كيلومتراً، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غرباً وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثاني فيصل طوله إلى 30 كيلومتراً من غرب كرم أبوسالم ويمتد جنوباً بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية.

- في مواجهة طريق الحرير

إنّ من أهم الأبعاد الاقتصادية لصفقة القرن هو تحويل المنطقة العربية إلى سوق استهلاكية ضخمة للمنتجات الإسرائيلية، وإنشاء محطات وفتح منافذ وطرق ضخمة جداً للمنتجات الأميركية والإسرائيلية عبر البوابة العربية إلى كل من أفريقيا وأوروبا، عبر مجموعة مشاريع واستثمارات في البنى التحتية، وإنشاء مطارات وتطوير مرافئ بحرية، وكل ذلك في مواجهة مشروع طريق الحرير الصيني. ستخصَّص عشرات الملايين من الدولارات لعدة مشروعات تهدف لتحقيق اتصالات أوثق بين قطاع غزة وسيناء في مصر من خلال الخدمات والبنية التحتية والتجارة. هذه المشاريع تشمل بناء ممر يربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة بتكلفة تُقدر بنحو خمسة مليارات دولار. سيجري تحديث خطوط الكهرباء بين مصر وغزة وإصلاحها لزيادة إمدادات الكهرباء. كما تقترح الخطة بحث سبل استغلال أفضل للمناطق الصناعية القائمة في مصر لتعزيز التجارة بين مصر وغزة والضفة الغربية والكيان الإسرائيلي، ولكنها لم تحدد هذه المناطق. المقترحات الإضافية لمصر تشمل دعم توسعة موانئ وحوافز تجارية لمركز التجارة المصري قرب قناة السويس، فضلاً عن تطوير المنشآت السياحية في سيناء القريبة من البحر الأحمر. وسيتم شق نفق يربط بين مصر والأردن. ويبلغ طول هذا النفق حوالى 10 كلم، ويقطع الطريق من الشرق إلى الغرب (على بعد ٥ كلم من إيلات)، ويخضع للسيادة المصرية الكاملة، والحركة من مصر إلى الأردن، وبعد ذلك شرقاً وجنوباً إلى السعودية والعراق. ومن المتوقع مد خط سكك حديدية، وطريق سريع، وأنبوب نفط، وتسير هذه الخطوط داخل الأراضى المصرية بمحاذاة الحدود مع الكيان الإسرائيلي. وتعبر خطوط ثلاثة النفق إلى الأردن، ثم تتشعب باتجاه الشمال الشرقي لتغذّي كلاً من الأردن والعراق، وإلى الجنوب باتجاه السعودية ودول الخليج. وقد تبنّى مبعوثا السلام كوتشير وغرينبلات في صفقة القرن خطة "كاتس" للسكك الحديدية التي تستند على اﻷردن، حيث يبدأ خط هذه السكك من مدينة حيفا لتمر عبر جسر الشيخ حسين، ومن هناك إلى مدينة إربد شمالاً، ومن ثم إلى الدول الخليجية بعد اتصال خطط السكك من شمال الأردن حتى جنوبه. وبحسب وثيقة إسرائيلية تحت عنوان "ميناء العريش- حل لغزة"، تدعو إلى منح الفلسطينيين ميناء العريش بالتنازل أو التأجير. وذكرت الوثيقة أن ميناء العريش شهد أعمال تطوير واسعة خلال العامين الأخيرين لتحويله إلى ميناء مياه عميقة يشبه ميناء أسدود الإسرائيلى. وتقدّر الوثيقة الإسرائيلية اكتمال أعمال التطوير في العريش خلال 3 سنوات بتكلفة تقدر بملياري دولار في البحر والبنية التحتية المحيطة بالميناء. ومن ثم فإن هذا الميناء إذا ما تمّ تطويره سيصبح منافساً حقيقياً لميناء غوادر الباكستاني والذي هو ركيزة أساسية في طريق الحرير. وقالت الوثيقة إن ميناء العريش سينافس ميناء أسدود الإسرائيلي، وسوف يكون قادراً على تلبية احتياجات غزة وشمال سيناء. واقترحت الوثيقة أن يتم ضم مطار العريش إلى الصفقة التي تمنحها مصر للفلسطينيين في غزة، لا سيما أن المطار يبعد مسافة 10 كيلومترات فقط عن الميناء.

- التحّول من السوق العربية المشتركة إلى السوق الشرق أوسطية المشتركة:

لم تفلح الدعوات منذ عقود والتي تنادي بإنشاء سوق عربية مشتركة تجعل الاقتصاديات العربية في مصاف دول العالم وفي مواجهة التكتلات الكبرى. ويبدو أن المخطط الحالي يهدف إلى إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة يكون الكيان الإسرائيلي هو المحور فيه. ومع تفوق اقتصادي وعلمي هائل لهذا الكيان على الدول العربية مجتمعة يكون هو المصدر الإنتاجي، بينما الدول العربية وكعادتها تكون هي المستهلك والمتلقي. فتل أبيب صُنفت كثاني أفضل مدينة للأعمال التجارية الناشئة، بعد وادي السليكون، ويتم إنشاء 200 شركة ناشئة سنوياً، وأكثر من 2500 شركة ناشئة تعمل في جميع "إسرائيل". وتم إنشاء وكالة للفضاء إسرائيلية ISA في العام 1983 وهي تُعنى بتحديث البرنامج الإسرائيلي الفضائي بالأبحاث العلمية والتجارية، والمبلغ الذي يتم إنفاقه على البحث والتطوير R&D بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي هو من بين أعلى المعدلات في العالم. وإن حجم الاقتصاد الإسرائيلي 350.85 مليار دولار يعادل تقريباً مجموع الإنتاج العربي في مصر والأردن ولبنان مجتمعة.

تعدّدت المساعي منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي لتحقيق السلام ولتصفية القضية الفلسطينية، تارة عبر التسويات السياسية وتوقيع اتفاقيات سلام، وطوراً عبر الحروب العسكرية لإرغام الفلسطينيين والعرب على القبول بالتسوية. ولكن جميع هذه المساعي باءت بالفشل. فهل تنجح خطط الازدهار والاقتصاد للسلام في تحقيق مبتغاها؟

-باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية.

جزر، خيار وفجل اساس هذه المقبلات... طبق صيفي بامتياز

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard