حريق نوتردام مجدّدًا... ماذا عن "الخبير الكندي"؟ FactCheck#

3 تموز 2019 | 20:22

المصدر: "النهار"

سائحة تلتقط صورا لكاتدرائية نوتردام دو باري (27 حزيران 2019، أ ف ب).

لا اسم له. التعريف: خبير كندي. والكلام على ذمته. "حريق نوتردام متعمّد". منذ ايام قليلة، تتناقل صفحات عربية ولبنانية نظرياته، ومنها ان "فَريقاً إجراميا مُؤَهلا تَأهيلاً عالياً جِداً في فَن الجَريمة" مسؤول عن الحريق. و"قد تكون وراءه جهة كبيرة أو دولة!" انتشار البوست يتزامن مع ترجيح مدعين في باريس اخيرا أن "حريق نوتردام ناجم عن سيجارة مشتعلة أو عطل كهربائي، مستبعدين أي دوافع إجرامية" (وكالة فرانس برس، 26 حزيران 2019). ما صحة مزاعم هذا "الخبير الكندي"؟ وماذا اظهرت التحقيقات الرسمية الاولية في فرنسا حول الحريق؟

النتيجة: "خبير"، ولكن من دون اسم، ولا اثر له سوى على وسائل التواصل، بما يثير الشك حول جدية البوست. من جهة اخرى، اخطأ الخبير المزعوم في التفاصيل المتعلقة ببرج الكاتدرائية، بما نسف نظريته حول احتراقه. بالنسبة الى ربطه الدخان الاصفر باستخدام الثرمايث، فلا يوافق عليه اطلاقا خبراء فرنسيون استوضحهم يومذاك زملاؤنا المدققون في وكالة "فرانس برس" و"لوموند" و"ليبيراسيون"، ونعيد نشر آرائهم في هذه المقالة، تذكيرا بها. كذلك، لا يوافقون على ما يزعمه هذا الخبير حول صعوبة احتراق خشب السنديان القديم. كل هذا يجعل المزاعم المتعلقة بحريق نوتردام "المتعمّد" خاطئة، زائفة. 

"النهار" دقّقت من أجلكم

الوقائع: منذ 28 حزيران، تكثف تناقل البوست على صفحات وحسابات لبنانية وعربية، بعنوان: "حريق نوتردام متعمد". وهنا نصه:

التدقيق:

-البوست المتناقل بالعربية هو ذاته الذي انتشر على صفحات وحسابات فرنسية منذ 22 نيسان 2019 على الاقل، اي بعد نحو اسبوع على اندلاع حريق "نوتردام دو باري" في 15 منه. البوست عمره اذا نحو شهرين ونصف الشهر. لكن الملاحظ ان الترجمة العربية أضافت جزءا، في اول البوست، ليس موجودا في البوست الاصلي بالفرنسية.

ملاحظة اخرى: لا اسم لهذا الخبير الكندي المزعوم في البوست المتناقل بالفرنسية والعربية، بما يثير شكا حول جدية البوست. كيف يمكن التأكد ان هذا الشخص موجود؟ خبير وهمي؟ وبالتالي كيف يمكن تناقل مزاعم غير موثوق بها؟ ولماذا لا يوجد اي اثر لهذا الخبير في وسائل الاعلام الفرنسية الجدية؟ وفقا للبحث، يتبين ان لا وجود له سوى في بوست متناقل على وسائل التواصل!

-ملاحظة اضافية. كان لافتا استعادة بوست "الخبير الكندي" الحياة على صفحات وحسابات فرنسية وعربية ولبنانية (ابتداء من 28 حزيران)، بعد صدور بيان المدعي العام لباريس ريمي هايتز في شأن الاستنتاجات الأولية حول حريق نوتردام (26 حزيران 2019).

ففي وقت تعيد مزاعم هذا "الخبير" المجهول انعاش نظرية "الحريق المتعمد" لكاتدرائية نوتردام، "رجّح مدعون في باريس أن يكون حريق نوتردام الذي دمّر قسمًا من الكاتدرائية، ناجمًا عن سيجارة مشتعلة أو عطل كهربائي، مستبعدين أي دوافع إجرامية" (وكالة فرانس برس، 26 حزيران 2019).

وهنا ابرز ما خلصت اليه التحقيقات الفرنسية الرسمية حول الحريق:

"ينظر المحققون الفرنسيون في فرضيات عدة، بينها عطل في المنظومة الكهربائية أو حريق بدأ بسيجارة لم تطفأ في شكل صحيح".

بيان النيابة العامة في باريس اشار إلى "عدم وجود أي أدلة تدعم فرضية أن يكون الحريق "أساسه جنائي".

ومما جاء في البيان الذي وقعه المدعي العام لباريس ريمي هايتز، أن "الاستنتاجات الأولية بنيت على مقابلات أجريت مع نحو مئة شاهد". لكنه شدد على أن "التحقيق لم يوضح بعد السبب الفعلي للحريق". وقال إنه "لا يمكن حتى الآن استخلاص إذا كانت النظرية الأكثر ترجيحًا هي العطل الكهربائي أم السيجارة". لكنه أكد انه "ستجري الآن تحقيقات أعمق باستخدام خبرات مهمة".

وذكر البيان أنه "تم فتح تحقيق أولي من دون استهداف أي شخص محدد بشأن الأضرار التي تسبب بها الإهمال غير المتعمد". "في نيسان، أقّر متحدث باسم شركة "لوبرا فرير" المكلفة أعمال ترميم الكاتدرائية بأن العمال كانوا يدخنون في المكان بين حين وآخر. وقال حينها: "نأسف لذلك"، لكنه أضاف: "لا يمكن أن يكون عقب سيجارة هو سبب حريق نوتردام" (وكالة فرانس برس، 26 حزيران 2019).

أ ف ب

-وهنا ردّ على المزاعم الواردة في بوست "الخبير الكندي"، بالفرنسية، نظرا الى ان ترجمته الى العربية سيئة.

يقول "الخبير" ان "برج الكاتدرائية مكوّن من الحديد، وبالتالي فإن حرارة 800 درجة مئوية لا يمكن أن تذيب حديد البرج. وهذا يتطلب درجة حرارة لا تقل عن 1.538 درجة مئوية".

خطأ. البرج الذي يصل ارتفاعه الى 93 مترا، "يتكون من 500 طن من الخشب (السنديان او البلوط، وفقا لموقع Paristoric)، (يغطيه) 250 طناً من الرصاص Plomb"، على ما يفيد موقع الكاتدرائية. وهذا يناقض كليا ما يذكره الخبير عن برج مكوّن من الحديد Fer، بما يزعزع نظريته القائمة على حرارة الانصهار: درجة حرارة انصهار الرصاص هي 327,50 درجة مئوية، وفقا لموقع L’elementarium المتخصص بالكيمياء، في مقابل 1535 درجة مئوية للحديد.

-كذلك، يزعم "الخبير" ان "الجناة استخدموا الثرمايت لافتعال الحريق"، بما يفسر "الدخان الاصفر الذي تصاعد من الكاتدرائية". ويشرح ان "الثرمايت خليط من الألومنيوم المعدني وأكسيد من معدن آخر، عادة ما يكون أكسيد الحديد. تفاعله الكيميائي يولد حرارة شديدة تصل بسرعة إلى 2,204 درجة مئوية. ويستخدم الثرمايت في أغلب الأحيان للحام أو إذابة الفولاذ".

La Thermite qui est un mélange d'aluminium métallique et d'oxyde d'un autre métal, généralement l'oxyde de fer. Sa réaction chimique génère une chaleur intense permettant d'atteindre rapidement une température de 2,204 °C. La Thermite est utilisée le plus souvent pour souder ou faire fondre de l’acier.

نقطة اولى: هذه الشرح بالفرنسية عن الثرمايت نسخه الخبير المجهول من "ويكيبيديا" بحرفيته!

في رد خبراء واختصاصيين فرنسيين على نظرية استخدام الثرمايت، نقل يومذاك الزملاء المدققون في "لو موند" (Les Decodeurs) عن أرميل مولر، وهي مهندسة خريجة المدرسة الوطنية العليا للكيمياء في مولهاوس إن ربط الدخان الأصفر بالثرمايت "مجرد تكهنات، ذلك لأن تفسيرات أخرى ممكنة ايضا". "ما هو اصفر يكون في احيان كثيرة أبخرة الانحلال الحراري أو (مواد) غير محترقة". ولاحظت أن "احتراق مادة البولي يوريثين بالأوكسيجين يعطي النتيجة ذاتها".

كذلك، نقل فريق "ليبيراسيون" (CheckNews.Fr) عن باسكال بايار، رئيس فريق هندسة المواد وصناعتها في معهد نانت للمواد، إن الدخان الناتج من احتراق الثرمايت "يمكن أن يكون أصفر"، لكن هذا لا يدعم نظرية المؤامرة والحرق العمد.

من جهة أخرى، لا سبب لوجود الثرمايت تحت السطح الخشبي للكاتدرائية أو في مناطق العمل. "لا أتذكر وجود أكسيد الحديد (مكوّن محتمل للثيرمايت) في العلالي أثناء زيارتي (للكاتدرائية)"، على ما قال أستاذ العلوم الميكانيكية في جامعة فرساي سان كوينتين، باولو فانوتشي، واضع تقرير عن أمن الكاتدرائيات صدر عام 2016، وصُنِّف بأنه "دفاع سري". كذلك، شدد المتحدث الرسمي باسم كاتدرائية نوتردام أندريه فينو على أن لا سبب لوجود الثرمايت، لأنه "لم يكن هناك لحام على السقالات". وهذا ما تؤكده بدورها الشركة المسؤولة عن أعمال الترميم في الكاتدرائية. 

من جهة أخرى، يمكن تفسير الدخان الأصفر بشيء لا علاقة له بالثرمايت. وفقاً لبايار، الرصاص هو الذي أعطى هذا اللون لدخان حريق نوتردام. ويقول: "لون الدخان فوق نوتردام يشبه حرق الرصاص". وفقًا للموقع الإلكتروني للكاتدرائية، كان هناك 250 طنًا من الرصاص في برج الكاتدرائية، و210 اطنان في السقف.

بالنسبة الى بنجامين تروشو، وهو المسؤول عن وحدة مكافحة الحرائق في المعهد الوطني للبيئة الصناعية والمخاطر (Ineris)، يمكن أن يكون مصدر آخر وراء الدخان الاصفر. "في بداية الحريق، يتحلل الخشب تحت تأثير الحرارة (نسميه الانحلال الحراري)، ولكن من دون ان يشتعل. وهذه الغازات الناتجة من الانحلال الحراري يمكن أن تتخذ الوانا مختلفة".

-نصل الى ما يزعمه الخبير ان "خشب السنديان البالغ 800 عام لا يحترق بسهولة. وإذا أحرق، فإنه ينطفىء على الفور". ومع ان مقاطع فيديو انتشرت يومذاك، وتظهر تجارب قام بها مستخدمون في الهواء الطلق على خشب سنديان قديم لإثبات ان احتراقه شبه مستحيل، وذلك بما يتوافق مع ما صرح به ايضا المهندس السابق للكاتدرائية بنجامين موتون، على محطة "LCI" في 16 نيسان، غير ان هذه التجارب لم تقنع الاختصاصيين.

وقالت المهندسة الكيميائية أرميل مولر، مديرة قسم إدارة الحرائق والبيئة في المركز الوطني للوقاية والحماية، والخبيرة لدى محكمة الاستئناف في روان: "هذه التجارب تظهر ما تظهره: الخشب الصلب يصعب إشعاله". لكن "كي تشتعل النار فيه، من الضروري أن تزداد حرارته، وتتراكم غازات الانحلال الحراري".

وفقا لخبراء سألهم ايضا يومذاك فريق المدققين في وكالة "فرانس برس" Factuel AFP، فإن محاولة إعادة خلق ظروف الحريق في مكان مكشوف ليست مناسبة. "البيئة ليست مغلقة"، على ما شرح جيرار كرزاكالا، وهو مهندس كهرباء وخبير معتمد لدى محكمة النقض. "عندما ترتفع حرارة الخشب، يطلق مكونات غازية وبخار الماء وغازات قابلة للاحتراق من شأنها ان تشعل النار". اما في بيئة خارجية، فستبدد هذه المكونات في الهواء.

مزيد من الشرح. في الهواء الطلق، من الصعب، وفقًا للخبير لدى محكمة الاستئناف في فرساي جويل كروبا، تحقيق "احماء تصل حرارته الى 300 درجة مئوية، ويؤدي إلى اشتعال أجزاء كبيرة (من الخشب)"، مثل عوارض السنديان التي شكلت السطح الخشبي للكاتدرائية.

لقراءة المقالة كاملة عن آراء الخبراء في ما اثير من نظريات حول حريق نوتردام، يمكن الضغط هنا. 

النتيجة: ما يزعمه بوست "الخبير الكندي" المجهول عن حريق نوتردام، زعم خاطىء، زائف. 

[email protected]

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard