هل يمكن هزيمة الشعور القوميّ؟

30 حزيران 2019 | 15:14

المصدر: "فورين بوليسي"

  • "النهار"
  • المصدر: "فورين بوليسي"

جمهور مناصر للرئيس الأميركي دونالد ترامب يحمل لافتات يدعو جزء منها لجعل أميركا "فخورة ثانية" ولدعم المنتجات الأميركية وتوظيف الأميركيين - "أ ب"

في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، كتب بروفسور العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن وولت مقالاً تحت عنوان: "لا يمكنكم هزيمة القوميّة، لذلك توقّفوا عن المحاولة". في مستهلّ مقاله، أشار إلى مقال آخر كتبه سنة 2011 ونشرته المجلّة نفسها تحت عنوان "أقوى قوة في العالم" حيث قصد به أيضاً الشعور القومي. حينها، ذكر وولت فكرة أنّ البشر يشكلون قبائل متمايزة مبنية على اللغة المشتركة والثقافة والإثنية والوعي الذاتي وأنّ هذه المجموعات قابلة أن تحكم نفسها. وهذه الفكرة صاغت التاريخ على مدى القرون الخمسة الماضية بطريقة لا يقدّرها أشخاص كثر بشكل كامل كما أضاف.

ماذا عن سنة 2019؟

حالياً، يذكر وولت أن لا شيء تغير منذ ذلك الحين كي يغير وجهة نظره. حتى أن أهمية فهم قوة القومية هي أعظم اليوم. لقد كانت القومية وهي تحديداً الرغبة في استعادة حكم ذاتي قومي هي التي دفعت البريطانيين إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي حتى ولو أن قادة التيار لا يستطيعون التوصل إلى كيفية تنفيذ القرار كما أنّ المغادرة ستجعل معظم البريطانيين أفقر ويمكن أن تؤدي إلى تفكك المملكة المتحدة على الأرجح.

ركب الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة النوستالجيا القومية لماض متخيل بشعار "اجعلوا أميركا عظيمة ثانية" على طريق وصوله إلى البيت الأبيض وهي تشكل أساس الحمائية والسياسات المناهضة للهجرة التي تحافظ على ولاء قاعدته الشعبية. والقومية هي محورية في طموحات الرئيس الصيني شي جينبينغ لجعل الصين قائداً عالمياً كما هي خط مشترك يوحد السياسيين اليمينيين في فرنسا والنماس وإيطاليا والمجر وبولونيا. أينما ينظر المراقبون يجدوا أن القومية قوة عاملة في عالم اليوم.


ضرورات تطورية

البشر هم كائنات اجتماعية حيث من لحظة الولادة ينتمون إلى نوع من المجتمع – عائلة، قبيلة، قرية، محافظة، واليوم دولة. لأنّ البشر يعتمدون على المحيطين بهم، تطوروا كي يكونوا بالغي الحساسية إلى تمايزات داخل-المجموعة/خارج-المجموعة. القدرة على تحديد الأصدقاء من الأعداء كانت يوماً أساسية للنجاة ومن الأسهل إدراكياً الركون إلى مؤشرات بسيطة كاللغة المشتركة بالمقارنة مع إجراء تقييم معمق لطباع ورغبات الآخر. بالنظر إلى هذه الضرورات التطورية ليس مفاجئاً أن يكون البشر على الأرجح أكثر حساسية مما ينبغي تجاه هذه التمايزات. لا يعني ذلك عدم إمكانية البشر رؤية ما هو أبعد من القبائل الخاصة بكل مجموعة وصياغة ارتباطات قوية مع الآخرين وعدم إمكانية إعادة تحديد من هو "داخل" و "خارج" المجموعة بمرور الوقت. إنّما يعني ذلك تمتع البشر بميل قوي لتحديد أنفسهم بشكل أقوى مع أولئك الذين يشبهونهم.


"المجتمعات المتخيلة"

أصبحت "الأمة" أكبر مجموعة ثقافية ذات جذب مستدام بين أعضائها. بإمكان السمات المحددة للأمة أن تتغير لكنها تضم عادة لغة وثقافة مشتركتين وجذوراً جغرافية واحدة وسردية مشتركة حول الماضي الجماعي. الأهم هو أن الأمة مجموعة أشخاص يتصورون أنفسهم مجتمعاً فريداً مع هوية محددة.

وفقاً للعبارة الشهيرة للمؤرخ وعالم السياسة الآيرلندي بنديكت أندرسون، الأمم هي "مجتمعات متخيلة" حيث يعترف الغرباء ببعضهم البعض كمنتمين للمجموعة نفسها. أكثر من ذلك، يشير عالم السياسة الأميركي جون ميرشَيمر في كتابه الحديث "الوهم العظيم" إلى أن قوة القومية تكمن جزئياً في علاقتها التكافلية مع الدولة. بالنظر إلى الضغوطات التنافسية الملازمة لعالم من دون سلطة مركزية، لدى الدول محفزات قوية لتشجيع الوحدة الوطنية داخل حدودها كي يصبح مواطنوها أوفياء وراغبين بالتضحية لصالح الدولة حين يكون ذلك ضرورياً. ساعد الترويج للقومية أيضاً في تأسيس اقتصادات قومية أكثر اتحاداً ومجموعات سكانية أكثر إنتاجاً مما حسّن إمكانات الدولة الشاملة.


أهداف هذه الرغبة

لأنّ المجموعات القومية التي تفتقد لدولها الخاصة هي أكثر عرضة للاحتلال والضم والاضطهاد، قررت أمم كثيرة أنّ الحصول على دول لها هو الطريق الأفضل لضمان نجاتها كمجموعات ثقافية مستقلة. تظهر التواريخ المؤسفة للأكراد والفلسطينيين والتاميل وآخرين ما يمكن أن يحصل حين يتم إحباط طموحات المجموعة القومية في الحصول على دولة بشكل متكرّر.

في العالم الحديث، باختصار، تريد الأمم دولها الخاصة لضمان نجاتها واستقلالها الذاتي فيما تروّج الدول للقوميّة لتعزيز قوتها والمحافظة على استقلالها. تأمل الحركات القوميّة أن تضيف نفسها إلى عضوية الأمم المتحدة بينما تبذل الدول ما باستطاعتها كي تقمع الحركات الاستقلالية داخل حدودها وإنشاء هيئة متجانسة من المواطنين الأوفياء. في حالات متطرفة، تتعرّض الأقليات للطرد والذبح أو "إعادة التعليم" كما تفعل الصين مع الأويغور، في جهد لخلق سكان أكثر اتحاداً وموالاة.


المتعلّمون غير محصّنين بالكامل

هاتان الضرورتان التوأم تساعدان على فهم سبب بقاء القومية بهذه القوة والاستدامة والتأثير العميق. حتى الأفراد المتعلمون جداً والمشككون بشكل عام ليسوا محصّنين أمام تأثيراتها. يطرح كاتب المقال تساؤلات حول سبب تذمّره من غياب لاعبين أميركيين بين أفضل لاعبي كرة المضرب أو حماسه لفريقي الرجال والنساء الأميركيّين في كأس العالم، قبل أن يجيب بأنّ الأمر غير مرتبط بإعجابه بفضائلهم الشخصية بل فقط بكونهم أميركيين. وعلى الرغم من أنه ينظر إلى نفسه على أنه كوزموبوليتي وأنّه يتمتع بالحكمة إزاء اللجوء المغري إلى الفخر القومي، يعترف وولت بأنه لا يستطيع الإفلات منها بشكل كامل.


أسباب الاهتمام

يجب الاهتمام بهذه الظاهرة القوية بسبب إمكانية استغلال الشعور القومي بسهولة من قبل القادة الساسيين من ضمنهم معظم الديماغوجيين حول العالم. من خلال ارتداء عباءة الوطنية والتحذير المستمر من الأجانب الذين يهدّدون طريقة عيش المواطنين الأصليين، يمكن المستبدين المحتملين مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والانتهازيين مثل بوريس جونسون أن يقنعوا المؤيدين بأنهم الدفاع الوحيد أمام الضمور الوطني أو حتى أمام الانقراض.

من ناحية ثانية، يشجع أصحاب السرديات القومية المعايير المزدوجة: إنهم يعقلنون سلوكهم أو سلوك مؤيديهم وينعتون سلوك الآخرين المشابه بأسوأ النعوت. يدين الأميريكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتصرفاته في أوكرانيا، وهي تستحق الإدانة بحسب وولت، لكنهم ينسون أنهم فعلوا الكثير من الأمور المشابهة في الماضي، كما في حرب العراق.

سبب ثالث: عرقلة التسويات

يمكن للقومية أن تعرقل التسويات السياسية المحتملة خصوصاً حين تكون الأراضي القومية المقدسة المفترضة داخلة في النزاع. بحسب وولت، لم يكن ثمة سبب منطقي لصربيا كي تحاول الاحتفاظ بكوسوفو سنة 1999 حيث تألف السكان المحليون بشكل ساحق من كوسوفاريين عدائيين ولم يكن للمنطقة أي أهمية استراتيجية أو اقتصادية وفقاً لتقييمه، لكن لم يكن بإمكان بلغراد التخلي عنها لأنها كانت مهد الهوية الصربية القومية.

بطريقة مشابهة، إنّ عدم قدرة الدول المعاصرة على حل نزاعات إقليمية مستمرة أكانت في كشمير أو بحر الصين الشرقي أو جزر سخالين أو غيرها تعود كثيراً إلى قوة الشعور القومي. منذ فترة غير بعيدة جداً، كانت الدول تتنازل أو تبيع أراضيها حين بدت ذات معنى استراتيجي أو مالي، من دون الكثير من إثارة الجدل، كما حصل مع الولايات المتحدة حين اشترت مثلاً ألاسكا من روسيا ولويزيانا من فرنسا. اليوم، هذه الأعمال غير مسموع بها تقريباً لأنّ الشعوب التي زُرعت فيها القومية ستقاوم التخلي عما يمكن أن يُرى كجزء من الأراضي المقدسة للدولة.

ولأنّ جميع الدول تقدّس تاريخها وتنكر أو تقلّل من اعتداءاتها السابقة وتصوّر تصرفاتها على أنها نبيلة، لن تقوم غالباً بتذكّر الأذى الذي ألحقته بالآخرين، وإن تذكّرت ذلك فإنها ستلطّفه وتقدّمه بشكل يخدم مصالحها. نتيجة لذلك، لن تفهم الأجيال التالية لماذا سيكون للآخرين وجهة نظر مختلفة حول الماضي، وبالتالي نظرة مختلفة إلى الحوافز الأولى لقيام الدولة. في بعض الحالات قد تكون هذه الظاهرة موجودة في كلتا الدولتين مما يجعل مستوى سوء التفاهم بينهما أعظم. يحتاج المراقب فقط أن يأخذ بالاعتبار العلاقة السامة العنيدة بين الولايات المتحدة وإيران ليرى قوة استدامة ما يمكن أن تكون عليه هذه الديناميات.


سبب رابع: الثقة المفرطة

كانت القومية طويلاً مصدراً محتملاً للثقة الزائدة عن حدها لأن معظم وربما جميع الأساطير القومية تتضمن مزاعم دقيقة أو غير دقيقة إلى هذا الحد عن التفوق. بذلك، لا تصبح أي أمة مختلفة عن الأخريات بحسب ما يتم تلقينه بل أيضاً أفضل منها. يصعب الفصل بين القومية والفخر الوطني الذي يصعّب بدوره اعتقاد أنّ الأجانب قادرين على الفوز على أصحاب هذا الشعور في صراع عادل.

لا يعني هذا الميل أنّ كل داود صغير يمكنه هزيمة جوليات العظيم، إذ حتى الأمم الفخورة تعترف أحياناً بأنّ موازين القوى ليست لصالحها، لكنه مع ذلك يمكنه أن يؤدي إلى التعجرف وفكر الأمنيات. ليس صدفة أنّ متشددي بريكست يعتقدون بأنّ الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعيد الاستقلال البريطاني ويفتتح عصراً جديداً من الازدهار والعظمة البريطانيين، حيث يوافق وولت على الفرضية الأولى ويخالف الثانية. ربّما عرف أنصار بريكست أن هذه المزاعم مشبوهة واستخدموها لأسباب انتهازية لكن الجذب الواضح للفخر الوطني جعل الجماهير أكثر ميلاً لقبولها.


هل من إيجابيّات؟

ليست القومية بلا فضائل. إنّ إقناع الأفراد بتقديم التضحيات لصالح الخير العام ليس أمراً سيئاً كما أن درجة صحّيّة من الوحدة السياسيّة والفخر بإنجازات الدولة الحقيقية هي أمر مفضّل بالتأكيد على الصراعات المفتوحة والحاقدة التي تقسّم ديموقراطيات اليوم. إنّ الدول الثنائية أو المتعددة الجنسيات التي تفتقد لتقليد جذّاب من الاستيعاب، ستؤدي جهودها بإعطاء الاستقلالية لكل مجموعة تصنّف نفسها كأمة داخلها إلى مستويات مدمّرة من الخلل الوظيفي والانحلال في نهاية المطاف على الأرجح.

على أي حال، لن تذهب القومية بعيداً، بالتالي يكمن التحدّي في معرفة قيمتها والحدّ من عيوبها. هذا بالطبع أسهل نظريّاً ممّا هو عمليّاً. بالحدّ الأدنى يجب الاعتراف واحترام قوّتها وصمودها. كذلك، إنّ احتراماً صحّياً لقوة القوميّة لن يشجّع الدول القوية على التفكير بأنها قادرة على إعادة تشكيل العالم وفقاً لتصاميمها الخاصة وتالياً تفادي الأوهام الاستعلائية التي تسبّبت بالكثير من الضرر في السنوات الأخيرة. ويختم وولت مقاله كاتباً: "نحن نعيش في عالم من القوميّات المتأجّجة، وهذا لن يتغيّر في أيّ وقت قريب، والاعتراف بذلك هو أساس جيّد لبناء سياسة خارجية أكثر واقعية".

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard