علامات البرّ

25 حزيران 2019 | 13:24

البرّ هو السلوك في طاعة المولى، وله ثمار ظاهرة في حياة الإنسان وشخصيته. لا يمكن ان يكون إنسان بارا ما لم يتجلى هذا الأمر بالمحبة لله والانسان في علامات واضحة وخفية في يومياته.

يعتقد الكثيرون من الناس بأن البِرّ يرتبط بأعمال الشريعة وفرائضها. ليس الأمر كذلك. الحقيقة هي أن الأمور الظاهرة في اتمام شريعة الله هي ثمرة البرّ. الشريعة ما لم تكن مكتوبة في القلب تبقى عبئًا على الإنسان. فقط حين يُدرك الإنسان أنَّ مصدر حياته هو حبُّ الله الذي أوجده، حينها تصير الشريعة كلمة حياة له. ما عدا ذلك، تبقى الشريعة فرائض وموجبات يتعاطاها الإنسان كرهيا ...

"يا بني أعطني قلبك" يقول كاتب سفر المزامير. هذه هي النقطة المحورية في علاقة الانسان بالله. الشريعة لمن لا يحبّ. أمّا الذي يحب فلا شريعة عليه بل يصير هو شريعة الله المكتوبة بحروف من نور في القلوب بروح الله القدوس ... .

وأقيم معكم عهدا جديدا (...) لأن شريعتي تصير مكتوبة في قلوبكم ..." ( ارميا ٣١ : ٣١ - ٣٤). كان الناموس أداة تربوية استعملها الله لترقية الإنسان في حس القلب وليحدّ من غرقه في عبادة ذاته ولينتشله

من جب نفسه المنتن بسبب تكديس الخطايا واختلاطها ببعضها البعض، خطايا "شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة..." ( رسالة يوحنا الأولى٢).

الناموس أعطي لكشف الخطيئة والتعدي. لا أحد يستطيع إتمام الناموس، لأنّ من يخالف وصية واحدة صار تحت المعصية ...

لا خلاص للإنسان بالناموس بل دينونة ... خلاص الانسان عطية مجانية من الله- المحبة ... إذ لا يتبرّر أمامه أيّ حيّ ... ( راجع: مزمور ٦٩). من هنا تأتي أهمية الناموس إذ يكشف للإنسان حقيقته الساقطة، وبالتالي يدفعه إلى التوبة خوفًا من العقاب ويشجعه على السلوك في طريق البر طلبًا للثواب ... لكن الله هو إله الحب، والحب ناموس الأبناء المُكَمَّلين بالنعمة أمّا الشريعة فصراط الذين لم يتقبّلوا بعد كشف "السّرّ المكتوم منذ الدّهور" ...

الناموس ينمينا في الطاعة لله قسرًا، لكن حين نسلك فيه نتهذب بروح الوداعة حين نتعاطاه بروحه لا بحرفه فنحب الله إذ نكتشف أنّه نبع الرحمة والحنان ...

أعمال البرّ هي عدم الدينونة لا بالفكر ولا بالقول ولا بالفعل وصنع الرحمة والتوبة... من يصنع هذه يدخل في سر النعمة الإلهية الفاعلة في الإنسان والمثمرة حبًا وفرحًا وسلامًا ولطفًا ووداعةً وتواضعًا وهربًا من المديح وشكرًا، وتمجيدًا لله في كلّ حين وعلى كلّ شيء ...

لا كثرة الصلوات ولا كثرة الأصوام ولا الالتزام الظاهري بالوصايا يصنع برّ الله، لأنّ كثيرين يصنعون هذه معتقدين أنّهم أرضوا العَليّ. رضا الخالق على الإنسان مرتبط بمعرفة هذا الأخير لذاته، أي أن يُدرك أنه مخلوق من العدم وأنّه لا يأتي من نفسه وليس لنفسه بل من الله هو وإليه يعود وجوده ...

من أدرك عدميته ربح وجوده لأنه عرف أنّ "البارّ بالإيمان يحيا" وأنّه يتبرّر بالإيمان عطيةً مجانية من لدن الباري، إذ يقول الكتاب: "فآمن إبراهيم فحُسِب له إيمانه برًّا" ( سفر التكوين 15 : 12).

المؤمن الحقّ بسيط، لأن الله بسيط. البساطة في سهولة المسامحة والابتعاد عن صنع الشر والتنازل عن الحق الشخصي في إزاء ربح الآخر وتبرير ضعفه والسعي لعضده وتقويمه بالمحبة وروح الوداعة والفرح والشكر هي علامات البر التي يقتنيها الإنسان هبة مجانية بنعمة الله ...

برّ الله نراه ونعاينه في "المساكين بالروح" و "الأنقياء القلوب" الذين نصادفهم في وجوه الكثيرين من آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا الذين العالم لا يراهم لأنهم ليسوا مهمين ومشهورين بمقاييسه، لكنهم عند الله بركته لهذا العالم المخبوءة عن عيون المستكبرين حفظًا لها والمكشوفة للمتواضعين تثبيتًا لهم في برّ الله ...

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard