تحدّي "أطروحتي بثلاث دقائق" أشعل منافسة شريفة: 12 متبارياً وفوز هبة شحادة

28 حزيران 2019 | 15:37

المصدر: "النهار"

المنافسة شريفة.

كثيرة هي أطروحات الدكتوراه التي تُخفق وتتعثّر في ضخامتها وتعقّد مساراتها واختصاصاتها، وكثيرة هي تلك التي يصعب على المطّلع عليها أن يستشفّ منها جدوىً أو فائدة، برغم أهميّة الموضوع الذي تناقشه، وذلك لصعوبة مصطلحاتها وبفعل الرّتابة والجمود المهيمنين على صياغتها. في المكتبة الوطنيّة، تغيّر الأمر. إثنا عشر طالب دكتوراة، اعتلوا أمس، كلٌّ بدوره، المنصّة، وطفقوا يستعرضون أطروحاتهم، ببساطةٍ وسهولة، لثلاث دقائق لكلّ متبارٍ، لا أكثر. بين أمثلة واقعيّة من شأنها تقريب وجهات النّظر، وعرضٍ لافتٍ للأفكار، ينمّ عن ثقة كافية بالنّفس لدى الطلاب، ومع بساطةٍ في الطّرح واستخدامٍ متقنٍ لقواعد وأساليب لغة الجسد المقنعة التي درّبتهم عليها الدكتورة تمارا الزين، المسؤولة عن برامج المنح الدراسية في المجلس الوطني للبحوث العلمية، استحالت قاعة المحاضرات أشبه بمسرحٍ، وعرض الأطروحات مسرحية علميّة تحتّم على المشاهدين تركيزاً دقيقاً، تقاطع تجلّيه الجدّي على وجوههم بين الفينة والأخرى ابتسامة رضىً سرعان ما تتحوّل إلى ضحكة يصاحبها تصفيقٌ حاد...

الدّورة الثّالثة من مسابقة MT 180 بنسختها اللبنانيّة والتي تنظّمها الوكالة الجامعية الفرانكوفونية بالتّعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلميّة، استضاف إثني عشر طالب دوكتوراه باحثين في مجالات متنوّعة، كالاقتصاد، الأدب، التّربية، علم الأعصاب، البيئة، الصيدلة، المعلوماتيّة، الفنون الجميلة، الكيمياء، الأغذية الزّراعيّة وغيرها، قادمين من أربع جامعات وهي: الجامعة اللبنانية، جامعة القديس يوسف، جامعة الروح القدس – الكسليك، وللمرّة الأولى الجامعة الاسلامية في لبنان. وترأس هيرفيه سابوران، المدير الجهوي للوكالة الجامعية الفرانكوفونية في الشرق الاوسط، اللجنة التي أشرفت على تقييم المشاركين، والتي تضمّنت تمارا الزّين، ممثل معهد البحوث من أجل التنمية في لبنان لوريان درابوه والصحافيّة والمذيعة نانيت زيادة. سابوران، السّعيد لتواجده في لبنان، شدّد على أهميّة هذه المسابقة التي تسلّط الضوء على أهميّة البحث العلمي بالنّسبة للشّباب، واصفاً المرشّحين بـ"باحثي المستقبل الذين سيقدّمون للبشريّة دراسات ونتائج جديدة". وتميّزت اللجنة بخليطٍ متنوّعٍ على صعيد الأعضاء، من صحافيّة إلى خبير بالشؤون البيئيّة، فمتخصّصة بالكيمياء ومتخصّص بالرّياضيّات، وهو ما صعّب على المتبارين الأداء، وحتّم عليهم استخدام لغة سهلة لإيصال أفكارهم المتخصّصة في مجالات بعيدة من اختصاصات أعضاء اللجنة نسبيّاً إليهم...

التّركيز التّام الذي أولاه الحضور يعود إلى الشّرح الممتع الذي قدّمه كلّ متبارٍ، هو مزيج متكامل ومتجانس من المحتوى والتّقديم، وقد ربطه سابوران بدور المسابقة الأهم في "الاطّلاع على قضايا واشكاليّات الأبحاث العلميّة المتخصّصة"، كما أكّد "أهميّة الأحداث المتشابهة بالنّسبة للبنان ثلاثي اللغات، والتي تؤكّد أنّ اللغة الفرنسيّة، مع سطوة الانكليزيّة على سوق العمل وعلى الأبحاث المنهجيّة، مازالت فعّالة ومهمّة". كما أكّدت الزّين أنّ "الهدف الأوّل من هذه المسابقة هو كسر المسافة بين الأبحاث العلميّة والنّاس غير المتخصّصين، فيما يكمن الهدف الثّاني، غير المباشر، بالتّمارين التي خضع لها الطلاب ليتعلّموا فنّ التبسيط وفنّ الإقناع، فأمامهم بناء مستقبل كباحثين والتّقدّم إلى العمل وتولّي الوظائف".

فترة تمارين مكثّفة خضع لها طلّاب الدكتوراه الإثنا عشر، رافقتهم خلالها الزّين، التي كانت تطلب منهم أن يعتبروها طفلاً في السّادسة من عمره، وعليهم إيصال أفكارهم له والتّأكّد من استيعابه لها. والمدرّب على فنّ الخطابة ربيع خضر، الذي علّمهم مواجهة مخاوفهم والتّحرّر من رهبة المنصّة والحضور، كما قدّم لهم النّصح والارشاد حول وضعيّة الجسد الأنسب للوقوف أمام المشاهد واستمالة انتباهه وجذبه، والسّيطرة على التوتّر وتجاوز الخجل. وتحوّل الطلاب خلال هذه اللقاءات من غرباء متنافسين ومتباعدي الاختصاصات والأفكار ووجهات النظر، إلى أصدقاء متفهّمين، قادرين على استيعاب بعضهم البعض وتقدير جهودهم، كما اكتشفوا أبعاداً في أطروحاتهم لم ينتبهوا لها من قبل، وهذا يعود إلى الحوارات بينهم وبين الزّين وخضر، وبين بعضهم البعض، وتقبّلوا التّغييرات والتّعديلات التي أجرتها على أبحاثهم بطيبة خاطر، وهذا ما شدّدت عليه الزين خلال لقاءاتها المتعدّدة معهم بقولها: "لا تفكّروا بالفوز، ولا بمن سيفوز، بل فكّروا دائماً بهذه التّجربة المميّزة وبما تعلّمتموه منها". وتتابع الزّين، مشدّدةً على أهميّة أبحاث الطّلاب والجهود التي بذلوها، "المسابقة ليست عرضاً، تتابع الزّين، بل تنطوي على حقائق وأسس علميّة يجب على الطّالب الارتكاز عليها وعدم تجاهلها، موفياً إيّاها حقّها، ومستخلصاً نتيجةً أو خلاصة من عرضها وتفكيكها وتحليلها".

ورأى الدكتور معين حمزة، أمين عام المجلس الوطني للبحوث العلميّة أنّ "أهميّة هذه المسابقة تكمن في أنّها المرّة الوحيدة التي يطّلع فيها النّاس غير المتخصّصين على محتوى الأطروحات ونتائجها، التي عادةً ما تبقى محصورة بالمكتبات والمختبرات والصّفوف". وأشار إلى المستقبل الواعد الذي ينتظر الفائز، "مجرّد أن يشارك في المسابقة العالميّة التّالية والتي ستقام في أيلول، في العاصمة السنيغاليّة داكار، ومتى فاز بها. في هذه الحالة، ستقام الدّورة المقبلة من هذه المسابقة العالميّة في بيروت". وأردف حمزة: "لدينا أشخاص كفوئين جدّاً في لبنان، استطاعوا بسهولة وعمق أن يعرضوا الأفكار المتنوّعة وتناول المواضيع البحثيّة المعقّدة والمتنوّعة ومتعدّدة الاختصاصات"...

وقد فازت بالمركز الأوّل هبة دجى شحادة، طالبة الدكتوراه في جامعة القديس يوسف والتي تدرس في أطروحتها "آثار تنبيه القشرة الجزيرية على إدراك المِهاد للألم". وقد أجرت اختبارها على القطط السّبليمة والخالية من أيّة أمراض، حيث إنّ المناطق الحسّاسة على الأمل في الدّماغ عند الهررة والإنسان متشابهة حدّ التّطابق. ما يسمح بدراسة استجابة الدّماغ على الألم وتفاعل المناطق الحسّاسة والمشاركة في النّشاط العصبي. وتمهّد هذه الأطروحة لمجموعة أبحاث من شأنها إيجاد علاجات وحلول للأمراض والمشاكل العصبيّة. وشكرت بشدّة الزّين وخضر على جهودهما والقيّمين على المسابقة، متأمّلةً خيراً في المسابقة التي ستقام في داكار، ومضيفةً: "أتمنّى أن أرفع إسم لبنان في داكار أمام كلّ المشاركين من كافّة الدّول".

وحلّت الطّالبة في الجامعة اللبنانيّة ميليسّا الهاشم في المركز الثّاني عن أطروحتها التي حضّرتها تحت إشرافٍ مزدوج من جامعة باريس ديكارت واللبنانيّة، والتي تطرح فيها إشكاليّة "تعرّض سائقي سيّارات الأجرة للجزيئات فائقة الدقة وللكربون"، وتدرس عوامل التّعرّض لها وأثرها على صحّة الجهاز التنفّسي. كما فازت الهاشم بـ "جائزة الجمهور" القائمة على استفتاء من قبل الحضور حول الأطروحة والتّقديم الأفضل. معتبرةً أنّها "استطاعت إيصال أفكارها وإشكاليّتها بسهولة بالغة وبساطة فائقة، وهو الأهم في مسابقة كهذه"...

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard