دميةٌ تُدعى مجلس الشعب اللبنانيّ

27 حزيران 2019 | 14:45

المصدر: "النهار"

لوحة لمنصور الهبر.

واصل مجلس النوّاب امس ارتكاباته اللادستوريّة المفجعة، ضد كرامته أوّلًا بأوّل، فبصم بالتعيين الديكتاتوريّ القسريّ لخمسة أعضاء في المجلس الدستوري العتيد، توافقت عليهم مسبقًا هيئة مجلسه، الممثِّلة للكتل النيابيّة المستولية على الشرعيّة الوطنيّة في انتخاباتٍ شابتها انتهاكاتٌ مميتة، وفق قانونٍ للانتخاب اعتُبر مقصلةً "قانونيّة" و"دستوريّة" للديموقراطيّة.

وإذ أجدني معنيًّا بتوجيه التحيّة العالية للمعترضين الذين اقترعوا ضدّ التعيين المفروض، وللمنسحبين – اعتراضًا - من الجلسة، أجدني مدعوًّا إلى توجيه الشكر إلى مجلس الشعب اللبنانيّ (تسمية رمزيّة تعبيرًا عن الوضوح الجميل)، وهيئة المجلس الموقّرة التي أوصت بلزوم التقيّد بالأعضاء الخمسة الذين تحاصصتهم. فقد كان على الهيئة العامّة أن "تنتخب" هؤلاء الخمسة المعيّنين تعيينًا مسبقًا. وقد انصاع مجلس الشعب هذا، انصياعًا مهيبًا للتوصية التي لا تشوبها شائبة، فشكرًا للمجلس رئيسًا وأعضاء باصمين، الذين يقدّمون البرهان تلو البرهان، لا على احترام الأصول الديموقراطيّة، بل على القبضة المحكمة التي تشدّ الخناق حول عنق الديموقراطيّة البرلمانيّة، وتزهق الدستور وجوهر الدستور.

لم ينفع انسحاب المنسحبين، واقتراع المعترضين، وهم قلّة، الذين احتجّوا بالأصول الديموقراطيّة، وحاولوا بلا جدوى الحؤول دون تسديد رصاصة الرحمة على دماغ السلطة القضائيّة، التي يريدها أهل الحكم والعهد القويّ ملحقةً بهم، تابعةً لهم، ونقيّةً من كلّ اختراقٍ، أو احتمالٍ للاختراق، درءًا لكلّ طعنِ محتمل بقوانين أو بمراسيم وقرارات.

أكثر ما يفجع، لا أن تخضع السلطة التشريعيّة للإرهاب مثلًا، وهي السلطة العليا للتشريع والمراقبة، بل أن تجعل نفسها بنفسها "باش كاتبًا" عند الجهات المتحاصصة، فيصير مجلس النوّاب اللبنانيّ (هل هو مجلس نوّاب ولبنانيٌّ حقًّا؟!) أشبه ما يكون بحجار شطرنج، دمى كاريكاتوريّة متحرّكة لكنْ دامية، تصلح أن تكون – بأبطالها غير الأشاوس – فضاءً دراميًا عبثيًّا ساخرًا لمسرح ريمون جبارة أو لمسرح زياد رحباني، أو للمسرحَين معًا.

سيجتمع مجلس الوزراء في الوقت المناسب لتعيين الأعضاء الخمسة الآخرين، ليكتمل بذلك عقد المجلس الدستوريّ العتيد، فيحكم بالعدل الذي هو أساس الملك، ويؤمّن استقلاليّة القضاء عن السلطتَين التشريعيّة والتنفيذيّة.

وداعًا لأفكارنا عن المجلس الدستوريّ. بل وداعًا لاستقلال القضاء.

كان ينبغي لنا للمناسبة، أن نودّع المجلس الدستوريّ المنتهية ولايته برشّ العطور ونثر الورود، على رغم كلّ ما كان يعتري ذاك المجلس الدستوريّ من هناتٍ غير هيّنات.

من الآن فصاعدًا، ستصدر أحكام المجلس الدستوريّ بالإجماع، عشرة على عشرة، ولن يكون ثمّة لزومٌ لتقديم أيّ مطالعة، أو لتسجيل أيّ مخالفة، ولن يضطر متحكّمٌ بالمجلس الدستوريّ (من داخله أوّلًا ومن خارجه أوّلًا وثانيًا وثالثًا) إلى تأنيب هذا العضو أو ذاك، لردعه عن الفضح والانتقاد وكشف العورات والثغر.

لقد فعلها حقًّا مجلس الشعب اللبنانيّ. إنّه دميةٌ مسرحيّة.

على الرغم من ذلك. لا بدّ من تحيّة المقترعين المعترضين والمنسحبين احتجاجًا. شكرًا لأولئك وهؤلاء.

Akl.awit@annahar.com.lb

الفنان بسام كيرلُّس يلجأ الى الالومينيوم "ليصنع" الحرية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard