جلسة قضائية في الهواء الطلق في دعوى الليطاني على جمعية اغاثية بجرم تلويث النهر

25 حزيران 2019 | 22:09

المصدر: زحلة – "النهار"

في ظل طقس لاهب فاقت حرارته الثلاثين درجة مئوية، وتحت شمس سهل البقاع الحارقة في الساعات الاولى لبعد ظهر اليوم، عقد القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف، الناظر في الدعاوى الجزائية المقدمة من المصلحة الوطنية لليطاني بحق المصانع والمستشفيات والجمعيات الملوثة للنهر، جلسة كشف حسيّ ومعاينة مادية لمصادر تلويث نهر الليطاني وروافده بالصرف الصحي من الحمامات التي وضعتها "جمعية الرؤية العالمية" في خدمة مخيمات اللاجئين السوريين.



وكان القاضي شرف قد قرر، في الجلسة المنعقدة بتاريخ 19 الجاري، بين المدعية المصلحة الوطنية لنهر الليطاني والمدعى عليها جمعية الرؤية العالمية، ونظراً لطلب الجهة المدعية "مصادرة مصادر تلويث النهر المتمثلة بالحمامات المتنقلة وقص قساطل الصرف الصحي الموصولة مباشرة بالنهر"، أن تنتقل هيئة المحكمة الى مكان تواجد هذه الحمامات واجراء كشف حسي ومعاينة مادية من اجل التثبت من الفعل المشكو قبل البت بالطلب بالنظر لماهية الجرائم المدعى بها وسنداً لنص المادة 179 من قانون اصول المحاكمات الجزائية والمادة 309 من قانون اصول المحاكمات المدنية.



وعليه جال القاضي شرف، بعد ظهر اليوم، مع الجهة المدعية ممثلة برئيس مجلس إدارة مصلحة الليطاني مديرها العام الدكتور سامي علويه ووكيلها المحامي علي عطايا من جهة وممثل جمعية الرؤية العالمية ومديرة برنامج WASH لديها ووكيل الجمعية من جهة ثانية على عدد من المخيمات في البقاع الاوسط، يقاسون القيظ سيما وانهم ارتدوا جميعا بزات رسمية لحدث قضائي، ويكابدون الروائح المنبعثة من الجور الصحية ومن مجاري الصرف الصحي المكشوفة، والتي فاقمها الطقس اللاهب.


في بدء الجولة شدد علويه بأن "مشكلتنا ليست مع النازحين بل مع من وضع النازحين في هذه الظروف". ولقد أظهرت الجولة بأن الحال غير سليم في المخيمات، لا لجهة النظافة العامة ولا السلامة العامة. كما كشفت الغياب المدوي للدولة اللبنانية عن مسؤولياتها، ما يرقى الى مصاف الاشتراك بالجرم.

ففي المخيم الاول الذي جرت معاينته في قب الياس، سقطت قدم مصوّر في جورة صحية، في لحظة من عدم الانتباه منه، ولكون غطاء الخزان المثبت تحت الارض، مكسوراً وغير مقفل باحكام. في هذا المخيم، كانت الجمعية قد قامت حديثاً بتثبيت خزانين جديدين إضافيين الى خزانين سابقين، تمهيداً لربط قساطل حمامات بهما بعد تكسر القساطل القديمة، وأفاد ممثلها بأن صهريجاً يقوم بشفط محتوياتها دوريا وينقلها الى محطة التكرير في جب جنين.

وعلى وقع إكتشاف جورة صحية، دار الحديث التالي بين علويه وممثل الجمعية:

فقد سأل علويه: مخيمات النازحين هذه، وفقاً لمعايير الجمعية، صالحة للبشر؟

فرد ممثل الجمعية: "اكيد ليست معايير انسانية. وبعد تدخلنا هناك أقله حد لبعض المشكلات التي يمكن ان تنتج عن بيئة غير سليمة".




فسأله علويه: من برأيك كجمعية يتحمل مسؤولية معايير غير انسانية؟

ليجيبه بطريقة غير مباشرة: "كان هناك قرار من الدولة اللبنانية، بعدم وجود اي انشاءات باطون، اي انشاءات متوسطة المدى او طويلة المدى. حتى الحلول التي نطرحها هي مؤقتة، لأن قرار الدولة اللبنانية متصل بأن هذا التوجه له علاقة بالطوارىء، اي انها لا تزال حالة اغاثة طوارىء".

إلى مخيم ثان في قب الياس، حيث أفيد ان الجمعية تقدم خدمة شفط محتويات خزانات تجميع الصرف الصحي، في هذا المخيم عثر على مضخة قرب حمام، تضخ مياه آسنة في قناة تصرف مياه الى جانب الطريق العامة. اما في المخيم الثالث في قب الياس، حيث كانت قساطل بعض الحمامات تصب مباشرة في قناة صرف صحي، فقد افادت الجمعية بأنها علقت خدماتها له منذ فترة طويلة، بعد ان رفض مالك الارض ان يسمح لها بالحفر وتثبيت خزانات لجمع الصرف الصحي. ولكن سواء كانت الفعلة المضبوطة في المخيم الاول عملا فرديا، من دون علم الجمعية، او في حال عدم قدرة الجمعية على التصرف في ظل ممانعة المالك كما هو الحال في المخيم الثاني، بالنسبة لمصلحة الليطاني فان الجمعية هي المسؤولة لكونها هي من ثبتت هذه الحمامات. ولما سئل ممثل الجمعية، عما اذا كانت قد ابلغت احدى الجهات الرسمية عن انسحابها من المخيم، واسباب هذا الانسحاب؟ تبين بانه لا توجد آلية معتمدة لدى الدولة اللبنانية، بلديات ووزارات، يجري العمل وفقها.

الى مخيمين ببر الياس، في الاول اكتشفت المصلحة وجود جمعية ثالثة مسؤولة عن تفريغ الصرف الصحي للحمامات، وقد اشتكى سكان المخيم من تأخرها عن هذه المهمة رغم مناشداتهم. أما المخيم الثاني فقد مكّن الجمعية ان تعطي نموذجا عن عملها حين يتم بالشراكة مع صاحب الارض.

وعليه ففي كل محطة كان يتضح ان الغائب الاكبر هو الدولة اللبنانية، لجهة الاشراف على ادارة الخدمات المقدمة لمخيمات اللاجئين، وبأن الامور تجري وفق منطق "حارة كل من يده له"، بخلاف متابعتها الامنية المشددة لهذه المخيمات، بحيث اضحى سكان المخيمات، والمجتمع اللبناني، ضحايا هذا التقصير في صحتهم وفي بيئتهم، على الرغم من المبالغ الطائلة التي صرفت من قبل الدول المانحة، والتي ذهبت هدراً بفعل العشوائية وعدم المتابعة. هكذا بدا تحرك "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني" التحرك الرسمي الوحيد للمحاسبة، محاسبة الجمعيات التي نفذت المشاريع. والجدير ذكره بأن المصلحة كانت قد اتهمت الجمعيتين اللتين ادعت عليهما امام القاضي شرف "باختلاس وتبديد الاموال العامة والهبات والمساعدات".

وفي تصريح للصحافيين، تحدث علويه عما وصفه ب "الخطوة اللافتة بتاريخ القضاء اللبناني" والمتمثلة بانتقال القاضي لمعاينة ما اسماه "مسرح الجريمة الجماعية"، "وتوثيق ارتكابات هذه الجمعيات والاهمال بحق النازحين السوريين"، مؤكداً "اننا سنتابع باجراءتنا القضائية وصولاً الى محاسبة الجمعيات عن اغتيال بيئة لبنان، والاملاك العامة، وسمعة لبنان لانهم وضعوا اسمنا على حمامات تلوث". كان علويه مغتاظاً جداً من ان الحمامات المشكو منها كانت تحمل شعار "رؤيتنا للبنان" وطلب تدوين الامر في محضر الجلسة. كما طلب تدوين تحفظه على دور "الشاويش" في المخيمات معتبراً بانه "يعمل لهذه الجمعيات ضابط ايقاع واتصال، ومحاسب"، كما افاد بان المصلحة ستسأل قضائيا عن كلفة الحمام.

شهدت الجولة كباشاً مستمراً بين المصلحة من جهة التي حرصت على تبيان الادلة والشواهد "للجرم الجزائي" بتلويث النهر، وبين الجمعية التي عللت الشوائب في ادارة الصرف الصحي للمخيمات باسباب خارجة عن ادارتها، سواء كانت فردية او نتيجة السياسات العامة او بالاحرى غيابها. الا ان القاضي شرف، نجح بان ينأى بالجلسة عن هذا الجدال، وادار جلسة في الهواء الطلق، معايناً الوقائع، طارحاً الاسئلة، مستمعاً للمعلومات من الجهتين، لينصّها على كاتب المحكمة فيدونها الاخير في محضر رسمي.

يبقى إنتظار قرار القاضي شرف، بعد هذا الكشف الحسي، لجهة طلب مصلحة الليطاني مصادرة الحمامات الملوثة وقص قساطل الصرف الصحي الموصولة بالنهر.

والى حينها سيستمر معلقاً سؤال محامي الجهة المدعى عليها: "اين كان يقضي النازحون حاجتهم قبل تركيب الحمامات؟ وماذا سيحصل في حال مصادرتها؟".

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard