"روكتمان" أبعد من الجنس والروك: ألتون جون يعرف لحن السيرة ويجهل كلماتها  

25 حزيران 2019 | 16:49

المصدر: "النهار"

"روكتمان" لدكستر فلاتشر.

مع "روكتمان"، يقدّم المخرج دكستر فلاتشر فيلماً باروكياً غنائياً مشبعاً بالألوان والأشكال المثيرة. فيلم يستوفي كلّ شروط السينما الجماهيرية الكبيرة. جماهيرية تتحقق ليس من خلال اسم نجم يرتفع في أعلى الملصق، بل من خلال السرد المتدفّق والمقاربة السلسة التي يأتي بها المخرج، والتي تصنع كمية هائلة من الغبطة. "روكتمان" من هذه الأفلام التي تغازل الجمهور ولكن من دون ابتزاز عواطف وبلا اذعان للقوالب الجاهزة التي فرضها نوع معين من السينما الأميركية عبر التاريخ.

الموضوع؟ سيرة مغنّي الروك البريطاني ألتون جون (تارون اغرتون)، منذ طفولته المعذّبة إلى ذورة المجد التي بلغها في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وصولاً إلى صيرورته احدى أيقونات الغناء، بعد بيعه ما يفوق الـ٣٠٠ مليون ألبوم. على رغم هذا، كان يعاني من نقص عاطفي كبير. يحاول الفيلم تعرية الواقع خلف "الجنس والمخدرات والروك"، ليقول ما نعرفه ربما: اذا كانت الموهبة والشهرة لا تنقذان الإنسان، فإنهما تخفّفان عنه وتختصران الطريق إلى ملاقاة الذات بعد صراع طويل معها.  

تارون اغرتون في دور ألتون جون.

ألتون جون هذا المثليّ المشهور الذي لا يجيد كتابة الأغاني، لكن العبقري التأليف والأداء، غرائبي بمظهره وذوقه الملبسي ونمره الموسيقية وفيديو كليباته الكيتش، عاش لسنوات حياة مزدوجة بسبب عدم تمكّنه من الافصاح عن هويته الجنسية، قبل ان يصبح من أوائل الفنّانين الذين كشفوا عن ميولهم الجنسية في السبعينات. الفيلم يتنقّل بنا باستمرار من الحيز العام (حفلات جون الموسيقية) إلى الخاص (غرامياته ومشاكله مع مدير أعماله وكاتب أغانيه وعلاقته المسمومة مع والده)، ويجول بنا في الأزمنة، قبل ان يرمينا في مكان ثالث، محايد تماماً، هو العالم الفانتازي أو المساحة الشاعرية المتخيلة التي تتبلور فيها أغانيه (نسمع نحو دزّينة منها). في هذه المنطقة الثالثة، التي هي لا عامة ولا خاصة، أبدع فلاتشر وأطلق العنان لمخيلة بصرية يتصادم عبرها ألتون جون المشهور مع ألتون جون الأقل شهرةً، قبل ان نكتشف في هذه المناسبة تلك الهشاشة الضرورية لكلّ فنّان.   

الفيلم من إنتاج جون، وهذا يعني انه نال بركة المغنّي الذي كان حاضراً في مهرجان كانّ (عُرض خارج المسابقة) لدعمه والترويج له. لكن رضاه لا ينفي قيمته الفنية. لسنا حيال سينما فضائحية تفكيكية تحاول النيل من صيت شخصية عامة. لا يتحقّق طموح الفيلم على هذا المستوى من السينما. كلّ ما يطمح اليه هو تقديم #ألتون_جون بما له وعليه، وقراءة تجربته الحياتية كشيء متداخل مع تجربته الموسيقية، كأن الواحدة تولد من الثانية.

الخيارات السردية التي قام بها فلاتشر، من أكثر الأشياء التي تشد الانتباه، وخصوصاً خيار افتتاح الفيلم بدءاً من اللحظة التي يقرر فيها ألتون جون المعالجة من الادمان الذي يعاني منه: ادمان المخدّرات والجنس والكحول والأكل وشراء أشياء لا يحتاجها. كلّ هذه الأمور التي حوّلت حياته في فترة من الفترات جحيماً، لم تعد لديه القدرة على تحمّلها. 

يقارب الفيلم سيرة المغنّي من زوايا عدة: الزاوية البسيكولوجية، والزاوية الهوياتية، والزاوية الفانتازية. يعود إلى النص إحداث التوازن المطلوب بين مختلف النواحي التي تتساكن بالكثير من التفاعل. نادراً ما حمل عملٌ ميوزيكالي هذا القدر من المواضيع الاشكالية في داخله، مواضيع تبدأ بأزمة الهوية ولا تنتهي بالمصالحة مع الذات بعيداً من المصير الذي يقرره المجتمع سلفاً. في بداية الفيلم، يُنصَح المغنّي بالجملة الآتية: اذا أردتَ ان تكون الشخص الذي تريد ان تكونه، فعليك ان تقتل الشخص الذي ولدته. الفيلم بأكمله يتبلور حول هذه النطقة بالذات: كيف يصبح الفنّان شخصاً آخر، وهل الشخص الآخر هو فعلاً آخر، بل هو ذاته الحقيقية المدفونة تحت طبقات المجتمع والعائلة والأخلاق؟ وأي ثمن عليه ان يدفعه؟ 

ألتون جون مع أمه.

نقطة مهمّة يجب التنويه بها: الفيلم لا يقتبس، لا يجسّد، ولا يحاول ان ينسخ شخصية ألتون جون، بل يقدّم تأويلاً لها. لعل خيار اسناد مهمة الغناء إلى تارون اغرتون، بدلاً من جعله يدبلج أغاني جون، خيارٌ صائب. هذا يحرر الفيلم ولا يقيّده.   

"روكتمان" من هذه الأفلام التي تبحث عن صراع، ولكن في الوقت عينه لا يفتعل هذا الصراع، اذ يعرف حدوده. الحكاية التي يرويها هي في الأخير، حكاية تتسم بالكثير من الإيجابية (حتى محاولة الانتحار لا ترقى إلى المأساة)، لأن العبرة بيدو انها في الخواتيم. فألتون جون لا يزال في الثانية والسبعين حيّاً يرزق، قادراً على الغناء (جولته الوداعية التي تنطوي على ٣٠٠ حفل بدأت في أيلول ٢٠١٨)، ربّ عائلة وناشط بالقضايا الإنسانية. قد يرى الواحد منّا في "توبته" احتفاء أخلاقوياًبعودة المياه إلى مجاريها. هذا لا ينفي ان جون وجد فيه ما يحقق له السعادة والاكتفاء العاطفي. 

لا أسى أو غبطة دائمان في "روكتمان". كلّ شيء يبدو عابراً في سيرة ألتون جون الذي عاشها كما لو انه يعرف لحنها ويجهل كلماتها. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard