العراق في ميزان التغيير

25 حزيران 2019 | 11:37

متظاهرة عراقية (أ ب).

تنشأ المنظمومة الأخلاقية للمجتمع من تصادم الأنانيات التي تلجأ بعد ذلك، تجنبًا لإدامة الصراع والفناء، إلى تكريس الحدود التي يفرضها مسار التصادم، وإلى التنظيم الذي يتشكل من خلال تراكم العادات والتقاليد والمعتقدات والأعراف وسن الشرائع وأنظمة الحكم.

عندما ينهار أحد أشكال التنظيم أو يتصدع بسبب الحروب أو الاضطرابات الاجتماعية، تنهار أو تتصدع معه المنظومة الأخلاقية، فتسعى الأنانيات إلى إعادة تشكيلها من جديد مدعومةً ببقايا ما امتلكته أو ما استجد لديها من قوة.

يرى الفارابي "أن الحاجة دعت الإنسان إلى الاجتماع وليس الطبع والفطرة، وأن هدف الاجتماع هذا هو تحقيق السعادة للفرد والمجتمع على السواء". لكن، في مراحل الفوضى وضعف السلطة أو غيابها، يكاد الإنسان أن يعود إلى الطبع والفطرة، لأن تحقيق السعادة الفردية غايةٌ تتقدم لديه على تحقيق سعادة المجتمع. هكذا يقتضي الطبع، فيعود الإنسان إلى ما يشبه الفطرة المتوحشة التي خرج بها من الغابات والكهوف، مما يؤدي إلى ازدهار العنف والإرهاب.

كل عنف يحمل في طياته بذور عنفٍ آخر يتحيّن الفرص للظهور، ولو بعد حين، مما يجعل دورة الدم مفتوحةً على قنواتٍ لا تنضب، كالعصبيات القبلية والطائفية والقومية وغيرها من العصبيات التي تحل بديلاً للهوية الوطنية الجامعة. فالإنسان مفطورٌ على الاجتماع في أضيق الدوائر، وكلما غابت الدائرة الكبرى أو عجزت عن أن تحميه وتحمي مصالحه، لجأ إلى دوائره الضيقة وتعصب لها ودافع عنها بالدم والسلاح.

إن ما يجري ويسود في العراق من ممارسات وسلوكيات على الصعيد الاجتماعي، أخطر مما يجري على المستوى السياسي، الذي ليس في معظم جوانبه سوى انعكاسٍ لما يصل إليه الفرد في المجتمع، وقد يكون من المفيد هنا دعوة علماء الاجتماع والسياسة إلى البحث عن أسباب الفشل السياسي في ثنايا العقد الاجتماعية المتفاقمة في المجتمع، لأن السلطة، كما لاحظ أرسطو، "صورة من صور الجماعة لا تنتقل ولا تستحيل إلا بانتقال الجماعة واستحالتها"، ولأن الاهتمام بالتغيير السياسي دون السعي إلى التغيير الاجتماعي يؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة قد تفضي إلى مزيدٍ من الانتكاس وإدامة العنف وإعادة إنتاج الفوضى.

لا يعني ذلك في أي حالٍ من الأحوال، نفي العلاقة الجدلية بين التغيير السياسي والتغيير الاجتماعي، فإذا كان الأول وهو يقوم بإنجاز مهمة بناء الدولة على أسس ديموقراطية واجتماعية حديثة يساهم حتمًا في دفع عجلة التغيير الاجتماعي إلى الأمام، فإن التغيير الاجتماعي بدوره يرفد العملية السياسية بطاقاتٍ وكوادرَ وطنيةٍ ترتقي ببناء الدولة إلى مستوى طموح الوطن والمواطن. لكن هذه العلاقة تختلّ في ظل استشراء الفساد السياسي، ويصبح التغيير الاجتماعي نحو الأحسن أمراً عصيًّا، لأن الفساد السياسي يتغذى على التخلف الاجتماعي وعدم الاستقرار وغياب المؤسسات الراسخة بوضوح آلياتها الدستورية والقانونية، وهو بذلك يعمق الفساد الاجتماعي ويزيده عفونة تضرب نسيج المجتمع بمزيدٍ من التحلل والاهتراء.

إن القيم الاجتماعية التي عرف بها المجتمع العراقي، انحدرت إلى أسوأ صورة يقدمها تاريخ الاجتماع البشري الحديث. وعلى الرغم من المأساة والكوارث التي تعرض لها، فإنه، أي المجتمع العراقي، لم ينتج في العقود الماضية قيمًا جديدة رادعة لمواجهة النتائج التي أسفرت عنها الأزمة المستعصية التي تمر بها البلاد.

في معظم مراحل تاريخه شكل العراق نقطة جذبٍ للأمم الفائضة عن بيئاتها. بعض هذه الأمم كان ينحدر من بيئاتٍ حضرية عرفت نوعًا من المدنية وبعضها الآخر من بيئاتٍ بدوية لم تعرف سوى الحرب والغزو وحياة الترحال وعدم الاستقرار، أو من بيئاتٍ يختلط فيها الأمران. لذلك فإن الانقطاعات التاريخية في مسار تقدمه المدني كانت كبيرة ومتكررة في بيئته أكثر من غيره من البلدان، مما أبقى هويته في حالة تبدل وتبلور دائم، لكنه تبلور متعثر لا يصل إلى نهاياته.

في هذه الانقطاعات التاريخية، وفي مفاصل الصراع والتحول، كان الإرهاب يزدهر والعنف يتصاعد ويتنوع في أشكالٍ متعددة؛ دينية وقومية وطبقية، ويأتي من مصادر مختلفة منها سلطات الأمر الواقع، أي ما سمِّي بسلطة التغلب، الناتجة من ضعف السلطة المركزية المؤدي إلى تعدد مراكز القوى الساعية إلى التوسع في السيطرة، أو من تدخلات المحيط وأطماعه التي تجد في تعدد الولاءات أرضًا خصبة، كما يأتي من السلطة الرسمية والمتمردين عليها أو الساعين إلى الخلاص منها، أي من الاستبداد المحكوم دائمًا بفكرة الحق المطلق وما يخلقه من مقاومة وردود أفعال مضادة.

أمام هذا الواقع التاريخي لم يبق لنا سوى التخلي عن مشاريع الفكر الشمولي وترسيخ ثقافة التعددية بكل أشكالها السياسية والدينية والقومية مع فك الارتباط بالمشاريع الخارجية على حساب الهوية الوطنية المتعثرة، والتداول السلمي للسلطة وإقامة نوع من العدالة الاجتماعية يقوم على جَسر الهوة الطبقية والتقدم نحو دولة الإنتاج والرفاهية التي تحول دون العوز والحرمان وتوفر الفرص المتكافئة لأبنائها الساعين إلى العيش الكريم لتضع البلاد على طريق الارتقاء إلى مستوى الدورة الحضارية التي يمر بها العالم. فالسلام والاستقرار السياسي والاجتماعي، وحده الطريق إلى بناء خبرات يمكنها أن تتراكم لتتحول إلى تطور نوعي يفضي إلى مزيد من التقدم والثبات المبني على حماية المصالح المشتركة وتعميق الاندماج الوطني القائم على حقوق المواطنة دون تمييز يقوم على الجنس أو العرق أو المعتقد أو المنحَدر الطبقي والعشائري.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard