البلد داكن والزّجاج شفّاف

21 حزيران 2019 | 14:13

المصدر: "النهار"

من مجلس النواب. (أرشيف "النهار").

إذا عدنا بالتّاريخ لقرن خلا وخبا، نرى لبنان الشّفاف كخزف الأسلاف الفينيقيّين، لبنان جبران... خليل جبران، ولبنان قدموس البحر الأزرق، ولبنان غلغامش الجبل الأشمّ، وباختصار... لبنان وديع الصّافي قطعة السّماء على هذه الأرض. فظيع ما ارتكبته أيدينا لنحوّل هذه السّماء إلى جحيم هنا، حتّى صارت هذه الجحيم كلّها تختبئ خلف رخصة زجاج داكن إن سقطت بان المستور خلف الزّجاج الذي من المفترض أن يكون شفّافًا.

 صوّت مجلس النوّاب الكريم بسخائه وعطائه على إسقاط المادّتين 61 و62 المتعلّقتين بالرّسوم على الزّجاج الدّاكن إضافة إلى رخص السلاح. بئس هذا الزّمن البائس على حدّ قول المثلثّ الرّحمات البطريرك صفير الذي رحل قبل أن يرى لبنان الذي قال ما قاله ليبقى حرًّا. نعم، إنّه لزمن بائس جدًّا. يتلهّون بالقشور ويتركون الجوهر حتّى صار البلد كلّه شفّافًا لكأنّه خلف لوح زجاجيٍّ يفضح عري من تجرّأ وتطاول على الأمانة التي تسلّمها ليبقى لبنان لنا ولأولادنا وأحفادنا من بعدنا.

بالطّبع، نحن ضدّ مبدأ التّعميم. فإن خلت الدّنيا من "الأوادم" خربت. وكلّنا ثقة ويقين بوجود من هم على قدر من المسؤوليّة لأنّهم يقدّرون عن حقّ قيمة الحريّة. والأكثر على حدّ قول المفكّر شارل مالك، حرّيّتهم حرّيّة مسؤولة. لذلك استطاع هؤلاء أن يكونوا العلامة الفارقة في هذا الزّمن البائس. ولذلك أيضًا، لبنان الحلم لم يسقط بعد.

ما حصل ضرب جديد من ضروب المهزلة. عوض الاهتمام بملفّ الجامعة اللّبنانيّة وتأمين الرّاحة والأمان للأستاذ الجامعي وللطّالب على حدّ سواء في جامعة الوطن، يتلهّون بتشريع أساليب جديدة للرّشى الانتخابيّة. كيف لا ومواكب بعضهم إن بيعت تكاد تبني قرى باتت صحارى فارغة، وتطعم جياع الوطن. وجمهوريّة قويّة ودولة قادرة لا رخص سلاح فيها لأنّ السلاح بيد الجيش والقوى الأمنيّة الشرعيّة فقط، وبات هذا الجوع إلى هذه الدّولة يضرب في أعماق وجدانهم.

معيب جدًّا أن ترى قاضيًا معتكفًا لينال حقّه. معيب جدًّا أن ترى معلّمًا في مدرسة لا يدخل إلى صفّه لأنّ حقوقه قد ابتُلِعَت. وعار في وطن أن يصبح القطاع الخاص فيه قطاعاً شبه مفلس لأنّ أرباب العمل فيه تحوّلوا إلى عاطلين عن العمل. معيب جدًّا في وطن أن يتحوّل العامل اللّبناني فيه، وهو صاحب الأرض، إلى عامل غريب ليصبح الأجنبي هو العامل الموطّن.

أمّا العار الذي يسقط الدّاكن عن ممارسات بعضهم، فيبقى في الفظائع التي ارتكبوها بحقّ لبنان الجنّة الطبيعيّة. لقد تحوّل البحر إلى مستنقع عائم، ومع ذلك يسبح اللّبنانيون في مياهه، ويصطادون سمكه. والربّ وحده الحامي من الأمراض. جبال لبنان الخضراء، صارت جرداء نهشتها الكسّارات التي بدورها ولدت من رحم الرّشى الانتخابيّة، والاتّباع الزّعاماتي الإقطاعي - السياسي القديم – الحديث الذي ادّعوا بمحاربته فإذ بهم يحوّلون الدولة إلى شركة مساهمة.

والمضحك في ذلك كلّه أنّ النّاس اليوم أمام معضلتين: واحدة اقتصاديّة داخليّة، وأخرى حربيّة إقليميّة. ولسنا هنا في معرض النّقّ واللّقّ والشّق، بل نحن نصوّب البوصلة على جوهر المشكلة. إن لم تتّخذ حلول جذريّة على قاعدة العمليّات القيصريّة في مجال الطبّ، لن نستطيع حلّ المعضلة الاقتصاديّة. فالمطلوب في هذا المجال اتّخاذ خطوات جريئة لكن في المكان الصحيح. إنّ جيوب النّاس التي يطمحون إلى اختراقها، ولو أنّها ممزّقة، هي بالطّبع المكان الخاطئ. فليتجرّؤوا وليقرّوا قانون استعادة الأموال المنهوبة ولتكن الخطوة الأولى في الإصلاح الاقتصادي.

أمّا المعضلة الثّانية وهي الأخطر، فلا نستطيع أن نضع الزّجاج الدّاكن على مواقف بعض الأفرقاء السياسيين اللّبنانيّين، وهم يفاخرون بها في خطبهم من أمام الزّجاج الشّفاف. لا نستطيع أن ندعو لترسيم الحدود البحريّة والبرّيّة مع العدوّ وإعلان الحرب عليه من جهة ثانية. كما أنّنا لا نستطيع أن ننغمس في آتون صراعات المنطقة بين الأنظمة والشّعوب؛ ونرسل شبّاننا لنستعيدهم على حين غرّة، مكفّنين في صناديق خشبيّة وندعو إلى أفضل العلاقات مع دول الاقليم. ولا نستطيع أن نطالب بعودة من طردوا من جامعة الدّول العربيّة بسبب فظاعة وفداحة أعمالهم الدّاكنة من خلف الزّجاج الشّفاف وندعم من يطلق الصّواريخ على مطارات الدّول العربيّة من قبل من همّ مدعومون بشكل علنيّ من غير العرب.

البلد داكن اليوم والزّجاج شفّاف جدًّا. ومن لم يستطع بعد أن يلمس هذا الواقع فهنالك مشكلة أساسيّة لدى هذا البعض بحساباته السياسيّة والاستراتيجيّة. نحن اعتدنا أن نقول الحقيقة مهما كانت صعبة، ولم نعمد يومًا إلى ذرّ رماد التّفاؤل في عيون الذين سلّمونا الأمانة. والويل لنا إن سلّمنا ما استلمنا ... كما استلمنا.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard