زمن ليلى والذئب

19 حزيران 2019 | 10:51

المصدر: النهار

الذئب والصياد وجهان لذكورة واحدة

زمن لم أكتب فيه، لأن الكتابة ليست التزاماُ، بل هي كما كل شيء، أشبه بحلقة من دورة تتسلسل حلقاتها لتفضي نهايتها إلى إعادتها من جديد.

هي كما كل شيء، شهيق وزفير، وينتج عن كونها هكذا، أنها أولاً حتمية، لا مهرب منها، لا يمكننا أن نستنشق الهواء ونبلعه ونهضمه، بل علينا أن نعيده زفيراً، لكنه ثانياً، يستحيل أن نعيده كما هو، كما كان في حالته الأصلية عند الشهيق، كل شيء نأخذه نضيف عليه، أو ننقصه ربما. ثالثاً، أن لا زفير يشبه زفيراً آخر، رغم أننا كلنا نقوم بعملية التنفس تلقائياً، وهي هبة الحياة لكل كائن، إلا أن لا شهيق يشبه الآخر، ولا زفرة تشبه الأخرى كذلك.

الكتابة إذن ككل حركة متجددة، هي حتمية، دورية، ورغم تكرارها إلا أن كل دورة فيها لا تشبه الأخرى أو كما يقولون متفرّدة UNIQUE.

زمن لم أكتب فيه، زمنٌ غارقة في الشهيق الحتمي الدوري والذي لا يشبه شهيقاً آخر.

زمنٌ على قصة ليلى والذئب، أتلوها يومياً لمدة شهرين متتاليين على مسامع طفلة ذات ثلاث سنوات، وأُفاجأ في كل مرة ميلها إلى مساندة الذئب "التوتو" في اللهجة اللبنانية المحكية، محاولاتها الدفاع عنه، أنه مسكين وجائع، وأراد فقط أن يشارك ليلى فطيرة واحدة، من سلتها الملأى.

تعود القصة العالمية تلك إلى منتصف الستينيات، أجزم أنه لا يوجد منزل لم يتلُها آلاف المرات على مسامع أطفاله، ربما لإخافتهم من الذئب، من القصاص الذي يفترسهم عندما لا يسمعون كلام أمهاتهم، ويفضّلون عليها إشباع رغباتهم ولو قليلاً قبل أن يعودوا إلى ما طُلب منهم. وأجزم أيضاً أن هذا لم يكن ضمن أهداف مؤلف القصة بحد ذاته.

كتبها كاتب الفرنسي شارل بيرو، ومنذ الستينيات إلى الآن، أضيفت عليها الكثير من التعديلات حسب ثقافة كل شعب، وخاصة الألمان واليابانيين، حسب ثقافة كل شعب، حتى إنه قيل إن بعض التعديلات تمت على نسختها العربية الحديثة.

أجزم أيضاً أن ليلى لم تكن بريئة إلى هذا الحد، وأن الذئب هو وجه من وجوه ليلى، غير منفصل عنها، هو وجهها الذكوري البحت الذي تربّت على خوفها منه، لأنه الوجه الظالم، العدو، الحاقد، الذي لا نفهمه، والذي يتعمّد ـ هكذا من دون أي سبب منطقي ـ أن يؤذينا. وأن الصياد المنقذ في آخر الحبكة، هو وجهها الذكوري الحكيم المحبّ صاحب الخير المطلق الذي يعرّض حياته للخطر لينقذ طفلة مجهولة وجدّتها، لينقذ حياة شخصين في أبرز مراحل الضعف الجسدي، طفلة وعجوز، ليحمي عزّل من شر خارجي. وهذا مشهد معتاد في حياتنا، ثقافتنا، إنسانيتنا وأفلامنا حتى.

الذئب والصياد وجهان لذكورة واحدة، في مرحلتيها الشريرة والخيّرة، وظهور الوجه الخيّر ما كان ليظهر لولا ظهور الشر المقابل له، وجاء حتما بعده كما الشهيق والزفير، حركة دورية وحتمية وربما متفردة.

أجزم أن ليلى كانت تعلم بوجود الذئب، وأنه لم يظهر لها في حياتها اليومية، أثناء عودتها من المدرسة مثلاً، أو عندما كانت برفقة صويحباتها، بل أثناء رحلتها من بيت أمها إلى جدتها، رحلتها وليس زيارتها من الحاضر إلى الماضي، لشفائه. وهي رحلة حتمية ودورية ومتفردة لا تشبه رحلة أحد. حتى إنني أتخيل الطريق بين منزل ليلى ومنزل جدّتها، ليس خطاً متوازياً يضيق كلما ابتعدنا كما تعوّدنا أن نرسمه، بل خط ٌّدائريٌّ يصل المنزل الأول بالثاني.

أؤمن، لا أجزم، أن الحياة هي رحلة شخصية، ليست رحلة اكتشاف بل عودة، أنا لا أكتشف ذاتي بل أعود إليها لا أكتشف الذئب بداخلي، بل أشفيه، لا أكتشف الله بل أعود إليه، لا أكتشف الحب بل أعيد اتصالي به وبكل ما انسلخت عنه لاإرادياً لحظة الولادة.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard