من المساعدات الإنسانيّة إلى الاستثمار في الإنسانيّة

17 حزيران 2019 | 19:29

طفل لاجىء. (الصورة عن "أ ف ب").

لقد تحدّثت في عمودي السابق عن نموذج المساعدات الإنسانيّة البائد، وعن الحاجة إلى وسيلة استثمار اجتماعي جديدة ممثّلة في صندوق رأس المال المجتمعي. في خضمّ الإهدار الناجم عن المساعدات الإنسانيّة وسوء كفاءة توزيعها، وفي زمن تضاعفت فيه الحاجة إلى تأثير ملموس ومتصاعد ومستديم، أصبحنا في أمسّ الحاجة إلى تغيير المنظومة وإلى عقليّة جديدة.

نحن نعرف أنّ الخدمة تأتي من المجتمعات عبر صوتها، كما يأتي التعزيز من رأس المال عبر التدفّق المدروس للسيولة، وكما يجلب التمويل معه الإدارة والإجراءات القانونيّة. هذا النوع الجديد من الشراكة قادر على الجمع بين المجتمع ورأس المال عن طريق التمويل المدروس والمقصود.

لقد شكّلت الأيّام الأخيرة مجالاً كي أسمع الآراء المعبّرة لزملائي الذين يخدمون مجتمعات الشرق الأوسط وينشطون في قضاياه. خبراتهم وقدراتهم على التأثير شكّلت مثالاً حيّاً وقويّاً لمنطقتنا التي ما فتئت تمدّنا بالتعليم، ووضّحت لنا العمل الكثير القائم أمامنا في التواصل مع مجتمع فاعلي الخير والمستثمرين الاجتماعيّين حول العالم. آمل أن يُنصف عمودي اليوم عديد الأولويّات التي نوقشت وجرى اعتبارها حيويّة في أيّ نموذج أو مخطّط هيكلي.

في صلب صندوق رأس المال المجتمعي تكمن الحاجة للمساءلة تجاه المجتمع وليس مساءلة المجتمع، فمن المهم أن يخدم النموذج الجديد المطروح مناطق الحاجة والصراع وما بعد الصراع، ليكون بديلاً حقيقيّاً للإهدار وسوء الكفاءة الموجودة في نُظم الطوارئ الحاليّة. ليس في وسع الإنسانيّة أن تتحمّل المزيد من الحلول المزيّفة التي تحافظ على مشاكل اليوم تحت مسميّات مختلفة.

من المساعدات الإنسانيّة إلى الاستثمار في الإنسانيّة، "مساعدة" الآخرين تفرض علينا الابتعاد عن عقليّة تقديم المساعدات، كما أنّه علينا استبدال منظومة الاستجابة للطوارئ بعقليّة جديدة وآليّة تنفيذ تبني الأمم. من المهم أن نفرّق بين الرد التفاعلي والرد الاستجابي. هنا علينا إعمال واحترام مبادئ الخدمة والمعرفة والتضامن.

صناديق الاستثمار المجتمعي ستحتاج إلى لجان استثمار تشرف على اتخاذ القرارت الرئيسيّة، وتكون محكومة بمبادئ المشاركة وتقرير المصير التي تعبّر بشكل مباشر عن قضايا ومناشدات المجتمعات. وفي الوقت نفسه، عليها أن تكون مُدارة وفق نظم استثمار فعّال وعلى أعلى درجات التفوّق والامتياز.

بكلمات أخرى، ستحتاج هذه اللّجان إلى مستثمرين مجتمعّيين ومدراء أموال فطنين يمتلكون أيضاً مهارات الإصغاء والقدرة على التعلّم. ولكن من دون صوت المجتمعات المباشر سنكون قد ضيّعنا المقصد. يجب أيضاً على اللّجان أن تحجز عدداً من مقاعد اتّخاذ القرار لأفراد المجتمعات نفسها التي ستخدمها صناديق رأس المال المجتمعي. علينا أن نشجّع التعليم المؤسّساتي كي نضمن أنّ هذه الصناديق تعرف كيفيّة التفكير والاستدراك عبر منظور مركزيّة البشريّة وروحها.

بصيغة أخرى، صندوق رأس المال المجتمعي هو طرح أسس تربويّة جديدة لخدمة البشريّة.

نظراً إلى المقاصد الطموحة لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتّحدة، سنجد أنّ منظومتنا الماليّة ضعيفة. الفارق في التمويل إن قدّرناه بشكل متحفّظ يصل إلى 2.5 ترليوني دولار.

عدا عن ذلك، الحكومات والمؤسّسات المانحة حول العالم أمست تواجه إجهاداً في تحويل وتوظيف المساعدات وترهّلاً إداريّاً. الموازنات باءت تفشل في بناء طاقات استيعابيّة طويلة الأمد وفي إحداث تغيير جذري. التكاليف العالية للتعبئة والانتشار والانسحاب تحتاج إلى إعادة نظر. الثمن الحقيقي لخدمة احتيجات المجتمع بحاجة إلى التدقيق والمحاسبة واستخلاص العِبَر.

التأثير المؤسّساتي الممنهج بات طرحاً نظريّاً أكثر منه تأثيراً واقعيّاً. ما هو الشيء الذي ندفع ثمنه حقّاً ونستثمر فيه نحن كحكومات مانحة ومتبرّعين مؤسّساتيّين وأفراد مستقلّين وشركاء من المجتمع المدني ومجتمعات متلقيّة؟ ما هي قيمة دولارات المساعدة الإنسانيّة الثمينة عندما تكون قدرتها الشرائيّة للتغير متدنيّة جدّاً؟

إذن، ما هو الشكل المطلوب لهيكليّة رأس المال المطلوب للتمويل وللاستثمار في الإنسانيّة؟

يتحتّم ألّا يكون رأس المال الحلقة الأضعف التي تعيق التأثير طويل الأمد وتأخّر نجاح المجتمع.

ولكن إلقاء اللّوم على الأموال أيضاً يضيّع المقصد. ما تعلّمناه في شرقنا المتوسّط – حرباً تلو الحرب وقلقلة تلو قلقلة – أنّنا بحاجة إلى إعادة تعلّم وإعادة بناء الثقة في ما نجيده. ما هو الموقع الذي نحن مؤهّلون فيه أكثر شيء للخدمة، كحكومات ومستثمرين من القطاع الخاص؟ كمؤسّسات غير حكوميّة دوليّة (NGOs)؟ كمستثمرين ومتبرّعين مجتمعيّين؟ كمجتمعات؟ كمواطنين؟ الخدمة هي أسمى درجات المسؤوليّة وأكثر المهمّات حساسيّة لأن تتحمّل الخطأ – والخطأ حرامٌ علينا أبداً.

جزر، خيار وفجل اساس هذه المقبلات... طبق صيفي بامتياز

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard