ليخ كوفالسكي: أحلام تحت قبّة الرأسمالية

14 حزيران 2019 | 16:08

المصدر: "النهار"

ليخ كوفالسكي في كانّ ٢٠١٩ (تصوير هوفيك حبشيان).

في مهرجان كانّ الأخير (١٤ - ٢٥ أيار)، أمسى المخرج ليخ كوفالسكي، لفترة من الزمن، "المقابل البولندي لكَن لوتش". حتى انه ذهب أبعد من زميله البريطاني حين نزل مع أبطال فيلمه، "سنفجّر كلّ شيء"، إلى الكروازيت، في محاولة لشد الانتباه إلى القضية التي جاؤوا من أجلها. في البرنامج: قبضات مرفوعة وخطب تحاول تجديد أدبيات النضال العمّالي.

"سنفجّر كلّ شيء"، هو الوثائقي الذي يروي فيه كوفالسكي نضال ٢٧٧ من عمّال شركة "ج أم وأس" الفرنسية (صانعة مستلزمات السيارات وأثاثها) لاستعادة حقوقهم. ففي العام ٢٠١٧، قررت هذه الشركة الواقعة في منطقة لا كروز، التصفية القضائية، الأمر الذي ولّد احتجاجات من جانب العمّال استمرت لأسابيع طويلة قبل ان تُباع الشركة إلى مجموعة أخرى، الا ان الأخيرة استغنت عن خدمات ١٥٧ عاملاً، مكتفية بـ١٢٠ منهم.

كوفالسكي خلال تصوير "سنفجّر كلّ شيء".

حمل كوفالسكي، البريطاني من أصل بولندي، كاميراه وتعقّب هؤلاء العمّال طوال فترة نضالهم ملتقطاً تمرّدهم على المنظومة ونقمتهم عليها، وملتقطاً كذلك أحلامهم وآمالهم، ولكن أكثر من أي شيء آخر، التقط عجزهم عن التغيير بالرغم من الاصرار. على امتداد فترة التصوير التي دامت سبعة أشهر، أخذت العلاقة تشتد بين المخرج والعمّال فتحوّلت صداقة وكفاحاً مشتركاً. نحواً من ٤٠ عاملاً جاؤوا إلى كانّ للمشاركة في العرض وتنظيم تظاهرة في شوارع المدينة، لشرح قضيتهم أمام الرأي العام، فمن أصل ١٥٧ عاملاً تمّ صرفهم، فقط ٣٧ تمّت تسوية وضعهم. ٧٠ منهم لا يزالون ينتظرون حلاً و٢٦ في وضع يرثى له، كما صرّح للاعلام أحد العمّال القدامى المتضامن مع زملائه، بالرغم من انه من النادرين الذي عاد وانخرط في سوق العمل.

في مقابلة مع "النهار"، روى كوفالسكي كيف ولد الفيلم: "فابريس بوشو المسؤول عن قسم الوثائقي في محطة "آرتي"قال لي أثناء لقاء: "فكرة جيدة ان تنصع فيلماً عمّا يحدث في فرنسا". كان هذا قبل عامين ونصف العام، إبان انتخاب ماكرون. فهمتُ منه انه كان متضايقاً من النحو الذي ينجز فيه السينمائيون الفرنسيون الأفلام الوثائقية عن السياسة. فكّرتُ في الموضوع واقترحتُ عليه فكرة. فقبل عشر سنين، كنت زرتُ مصنعاً يبعد بالسيارة عن باريس نحواً من ساعة. كان العمّال يهددون بتفجير المصنع، "سوديماتكس"، المتخصص بقطع السيارات. توجّهتُ إلى هناك وصوّرتُ لمدة أسبوع. صارت في حوزتي مادة هائلة. ثم، لم أفعل أي شيء بهذه المادة. عندما عرض عليّ فابريس الفكرة، اقترحتُ عليه ان أعود إلى المصنع للقاء العمّال وتصوير ما حلّ بهم خلال فترة غيابي عنهم، بعدما فقدوا وظائفهم، وبناء فيلم عمّا يحدث في فرنسا استناداً إلى ما حدث لهم. فعدتُ وبقيتُ أصوّر طوال شهر ونصف الشهر. كان الأمر مرعباً. صارت قضيتهم في المحاكم بعد خسارة عملهم. وجدتهم محبطين، لا يوافقون على التحدّث إلى الكاميرا التي كانت تُشعرهم بالريبة. فجأة، تلقيتُ اتصالاً من منتجتي، وهي أيضاً صديقتي، لتخبرني بأنها سمعت قصّة عمّال في وسط فرنسا يهددون بتفجير المصنع الذي يعملون فيه. فقلتُ لها "هيا بنا نذهب إلى هناك". صعدنا في القطار برفقة العامليَن اللذين كنت تعرفتُ اليهما واتجهنا إلى هناك. بقينا يومين. هكذا اكتشفت "جي أم وأس". صوّرتُ بدايةً المشهد مع الرجل الذي يصطاد السمك، حينما يروي قصّته ويبكي، ففكّرتُ انه يجب ان أغيّر القصّة وأبقى هناك. في النهاية، عشتُ فيه لمدة تسعة أشهر. أما المونتاج فاستغرق أكثر من ذلك. هكذا بدأ كلّ شيء".

خلال المهرجان، كتبت "تيليراما" ان ضحايا العولمة باتوا بسبب كوفالسكي أبطال الكروازيت. أُعجب المخرج بالمقال لكنه لا يوافق كثيراً على توصيف "ضحايا العولمة". يقول: "لا، ليسوا ضحايا العولمة. هم ليسوا ضحايا. هؤلاء يناضلون كي لا يصبحوا ضحايا. العولمة مصطلح خطأ. انه اختراع الرأسمالية لإعطاء نفسها وجهاً إيجابياً. أعتقد ان شيئاً آخر يحدث هنا. هؤلاء العمّال يحاولون المحافظة على هوية فُقِدت. وهذه الهوية ليست فقط هويتهم، إنما هوية البني آدم الذي يعيش في سياق العولمة وتدمير السياسة لكلّ شيء. الخطوة التالية هي تحويل العالم إلى شركة. وهذا يختلف عن العولمة. مهلاً… قد يجوز القول انهم ضحايا العولمة بعض الشيء. فالشركات الكبرى تعشق العولمة، لأنها تعني سهولة نقل أي شركة إلى الهند أو الصين أو البرازيل أو المكسيك، لأن اليد العاملة أرخص وأصحابها يريدون كسب المزيد من المال، فعولمة كهذه تصب في مصلحتهم. العمّال يعون هذا، لذلك هم ليسوا ضحايا بالمعنى المباشر، بيد انهم ضحايا الآلية التي تسمح بحصول هذا، وهو نتيجة ضعف الحكومات. العمّال مستاؤون جداً من ضعف الحكومات. لا يكترثون للسياسة حتى، في الفيلم لا يوجد أي حكي عن يمين أو يسار. علاقتي كسينمائي مباشرة بهم، وليس عبر قنوات أو فلترة. الفلترة كانت قتلت الفيلم".

لم يرد كوفالسكي فيلماً يراقب ما يحدث ويتابعه. بل فيلماً يشعرك بالعمّال خلال معاناتهم ويشعرك بالنحو الذي تتم مراقبتهم فيه. لهذا السبب، ثمة الكثير من المَشاهد التي التُقطت من خلف القبّعات. رغم انه لا يعتبر فيلمه وثائقياً بل مجرد فيلم، يشتكي ان الكثير من الأفلام الوثائقية لا تهتم بسوى ما يقوله الناس في المقابلات المصوّرة. هذا ليس في صدارة اهتمامه. يروي ان الشيء الجميل في مشهد زيارة ماكرون للمصنع هو انك تراه قليلاً. "رؤيته لوقت أطول كانت جعلت المشهد مملاً"، يقول المخرج البالغ من العمر ٦٨ عاماً.

عمّال "ج أم وأس" في كانّ.

الفرنسيون في نظر كوفالسكي في مأزق حالياً. يسألون "مَن نحن؟". تَصوُّرُهم لأنفسهم، لخياراتهم السياسية، هذا كله يضعهم في دائرة الخطر. ليسوا موضوعيين البتة حيال أنفسهم. يصنّفون الأشياء وينتقدون بشكل مملّ. "الهدف من هذا الفيلم كان النظر إلى الواقع الفرنسي من زواية أخرى، ليس فقط كمراقب بل…". يبحث كوفالسكي عن كلماته، ثم يجد صياغة أخرى لجملته: "أتعلم؟ حاولتُ ان أكون عضواً في نادي هؤلاء العمّال. حاولت ان أهدم الواجهة التي يستخدمها الفرنسيون للحديث عن أنفسهم ومشاكلهم. هناك تاريخ طويل من الأفلام العمّالية في فرنسا. أفلام قوية جداً. مع "سنفجّر كلّ شيء"، وددتُ ان أُخرج وثائقياً عن المجتمع الفرنسي، ولكن من خلال حفنة من الأشخاص. كان في رغبتي ان نرى كيف يراهم المجتمع الفرنسي وهم كيف يرونه. لذلك، حاولتُ تأطير الفيلم كما في أفلام الوسترن الأميركية، من خلال وضع الجميع في السياق. لجأتُ بشكل متواصل إلى الكوريغرافيا وتحريك الأشياء. كان يجب ان أكون بالضبط في المكان والزمان المناسبين، ولهذا السبب صورتُ الكثير من المواد".

"اذا أفقرت الرأسمالية الناس، فأي زبائن سيبقى لها؟". هذه جملة نسمعها في الفيلم على لسان كوفالسكي. يعلق قائلاً: "هذا هو السؤال الأهم. انه في قلب مشكلتنا الوجودية. الأغنياء يزدادون غنى، بسبب انهم لا يرون في الناس سوى زبائن محتملين. ولكن في مرحلة معينة، عندما سيصل الناس إلى حافة الفقر، كما هي حالنا الآن، لن يوجد الا حلّ واحد: الثورة. اذا كنت غنياً - وأنا أمضيتُ الكثير من الوقت مع أغنياء في أميركا، فأنتَ لا تشارك في صناعة المجتمع. تتنقل بالليموزين وتشعر بأنك فوق الجميع. هذه حياة مملة جداً. عليك ان ترى كيف يتسلى الفقراء؛ أي موسيقى يسمعون وكيف يخلقون البهجة. من دونهم، لا مجتمع، لا ثقافة، لا شيء. اذاً، في وقت من الأوقات، أعتقد اننا سنواجه هذا، سيشهد عالمنا حينذاك كارثة بيئية كبرى. ستتأزم الأمور، وسنحاول البحث عن علاقة جديدة بين الفقراء والأغنياء، وسيكون النصر، لا لمن يملك مالاً أكثر، بل لمن يعرف كيف يعيش. حدث هذا لأمّي عندما كانت في الغولاغ. هناك تعلمت كيف تبقى على قيد الحياة. اضطرت ان تأكل الحشرات. أنجزتُ فيلماً عنها. تعلمت كيف تعيش من دون لا شيء. كانت في الغولاغ مع ناس يتحدرون من عائلات غنية في بولندا. ولكن، في النهاية، مَن عاش هم مَن فهموا الحياة، لا مَن كانوا أكثر ثراءً من غيرهم. أعتقد ان العمّال هم من هذا النوع من الناس".

بعد عرض الفيلم ضمن "أسبوعا المخرجين".

لا يعتبر كوفالسكي نفسه مخرجاً مناضلاً. يمقت البروباغندا. يود فقط إنجاز الأفلام الجيدة. يعترف انه اذا كان ما ينجزه جيداً على صعيد السرد والجمالية، يتحول إلى فيلم مناضل من تلقاء نفسه. ولكن، هذا ليس هدفه منذ البداية. يحاول ان يتطرق إلى المشاكل، ولكن اذا أصبح الفيلم نضالياً، فليكن، الا انه لن يسعى إليه لأنه يضجره.

"هل العنف يحل المشاكل؟"، هو سؤالي الأخير إلى كوفالسكي. يفكّر للحظات معتبراً السؤال من النوع الذي يحتاج إلى تأمل، فيردّ: "أعتقد انه من الجيد انهم (العمّال) لم يفجّروا المصنع، والا ما كنت جالساً هنا معك نتحدث عنهم. استطاعوا قمع الإيغو الخاص بهم. أدركوا ان القصّة أكبر من مجرد إيغو. قد يفجّرون المصنع يوماً، ولكن هذا غير مفيد لقضيتهم. الحكومات تستخدم العنف ضدنا، وستأتي لحظة نحتاج فيها إلى العنف لتدمير هذا النظام، وستكون لحظة خاصة جداً لا أعرف متى ستصل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard