مغتربون يروون قصصهم لـ"النهار"... حبّهم للوطن يفوق كلّ شيء

12 حزيران 2019 | 23:04

المصدر: "النهار"

مؤتمر الطاقة الاغترابية (تصوير حسن عسل).

يختلف الاطار الزمني لكن غالباً ما تتشابه دوافع الهجرة من لبنان. بعضٌ من الذين التقيناهم عرفوا وطنهم وسُلِخوا عنهُ؛ أمّا البعض الآخر فاكتشفوه حديثاً وجميعهم يعمل دون كلل لخدمته، كلّ حسب طاقاته. مغتربون من أصل لبناني التقيناهم في مؤتمر الطاقة الاغترابية، يروون ل"النهار" قصصهم ويعبّرون عن ارتباطهم بوطنهم، عن ألمهم، أمانيهم واندفاعهم...

ايلي جورج عيد، "للحفاظ على الشباب واليَد العاملة الوطنية"

"دولة قانون... مواطن يعيش في بلده بسعادة وكرامة... توفير مستقبل وعمل للشباب اللبناني في وطنه..."؛ إنّها أبرز العبارات التي حفظناها من حديثنا مع الأستاذ ايلي عيد، رئيس المجلس الوطني للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم – قبرص والذي يروي ل"النهار": اضطرّ أهلي للانتقال إلى قبرص في ظل الحرب الشرسة التي فتكت بالبلد، فوضّبتُ قصراً في سنّ ال16 أمتعتي تاركاً ذكرياتي وضيعتي. أمضيت 39 عاماً في الاغتراب لكنّني بقيت أتنقّل باستمرار بين البلدين: المسافة قريبة وسعر بطاقة السفر زهيد."

في غربته، عُيّنَ الأستاذ عيد رئيساً فخريّاً للنادي الماروني وبنى مركزاً للنادي في قبرص فدشّنه رئيس الجمهورية بحضور رسمي رفيع. وفي كلامه غصّة وألم. يعبّر عن امتعاضه من الأوضاع المعيشية والحياتية التي يعاني منها اللبناتيّون ومن نسبة الهجرة إلى قبرص مقدّراً أنّها على تزايد. فيوجّه نداءاً الى الدولة اللبنانية والحكّام طالباً الاهتمام بالشباب والمحافظة على اليد العاملة الوطنية بدل استبدالها بيد عاملة غريبة. ثمّ يسألُ: "كيف يمكننا الانتقال بظرف 20 دقيقة من بلد تعمّه الفوضى إلى بلد يسوده القانون؟ لمَ على اللبناني أن يجد سعادته بعيداً عن وطنه بدل أن يكنزها في أرضه؟ ولم عليه العيش بخوف دائم وترقّب معارك أليمة قد تحدث من جديد، وتحمّل تداعيات أزمات اقتصادية توصل به إلى حدّ الإفلاس؟" ويكمل : "أناشدُ المسؤولين أن يبذلوا جهوداً وافرة ليتيحوا لللبنانيين فرصة العيش بالحد الأدنى الكريم ولوقف الهجرة." ويختم: "نقول ذلك لأنّنا نحب بلدنا لبنان ولأنّه هويّتنا وكرامتنا!"

هاجر جدوده إلى أفريقيا الجنوبية... الدكتور شخطورة، "لا ينسى الانسان أصله"

التقيناه يجرّ حقيبة سفر صغيرة. وجهه ينمّ عن رجل في العقد السادس من العمر، صلب الشخصية، تختفي خلف لحيته البيضاء تجاعيد طفيفة. استمعنا إلى قصّته ولمسنا ارتباطه بجذوره... ينطبق على مسيرة حياته هذا القول: "لا ينسى الانسان أصله".

يروي الدكتور Vincent Joseph Chakhtoura ل"النهار": "والدي من آل شخطورة من بيت مري ووالدتي من آل عقل من زبدين. هاجر أجدادي من لبنان عام 1901 بسبب الفقر والمشاكل التي كان البلد يعاني منها وتوجّهوا إلى أفريقيا الجنوبية. تعرّف والدايَ في الغربة على بعضهما، حيث ولدتُ ونشأتُ. لا أتحدّث جيّداً العربية. لكنّني منذ 10 سنوات قرّرتُ التواصل والتفاعل مع وطني الأمّ فاشتريت بيتاً في حصرون وشجّعت عائلتي وأولادي الثلاث على القدوم إلى لبنان، إلى أرض أجدادهم. وحاولت خلق روابط لهم مع بلدهم."

أمّا على الصعيد الخدماتي فيقول: "إنّني متطوّع في أعمال خيريّة من أجل لبنان. لذا، آتي إلى هنا مرّتين أو ثلاث في السنة الواحدة. أنشأتُ مؤسسة تدعى GRIPP 3D أعدّ فيها أياد روبوتيكية يستفيد منها ذوي الاحتياجات الخاصة من اللبنانيين واللاجئين. وأنا أردّد دائماً: قدماي في أفريقيا لكنّ قلبي في لبنان."

الأستاذ مارون عنيد: "نريد خدمة لبنان"

يحمل الهويّتين اللبنانية والكنديّة. سمّي رئيساً لغرفة الصناعة والتجارة اللبنانية-الكندية وعٌيّنَ مديراً لنورسات وTélé Lumière في كندا ويعمل الأستاذ مارون عنيد على مشاريع تهدف لمساعدة اللبنانيين في مناطقهم. يقول ل"النهار": خلقنا United Lebanese Diaspora program وهي مسجلة في كندا لمساعدة اللبنانيين المغتربين على ارسال اموال لضيعهم. ونحن نحظى بدعم United Nations association in Canada التي تعمل على تحرير المغتربين المشتركين في برنامجنا من ضرائبهم. فلا عذر لللبنانيين لعدم مساعدة أقاربهم."

ثمّ يضيف: "أنا ابن العيشية. تَهَجَّرَت ضيعتنا في الحرب وما زالت تعطي شهداء آخرهم الرقيب في قوى الأمن الداخلي جوني خليل. تعلّمنا ونجحنا في الخارج. أمّا اليوم فنريد أن نخدم بقدر المستطاع بلدنا. اعتدنا على الاعمال الخيرية والاجتماعية ونحضّر لتقاعدنا الجزئي هنا. علينا أن نخلق لأولادنا هدفاً وأن نضع برامجاً لدفعهم على القدوم إلى لبنان."

كالين فانليان، حبّها للوطن أعادها إليه...

هاجرت كالين فانليان في صغرها مع عائلتها بسبب الحرب وقرّرت العودة إلى لبنان بسبب تعلّقها به. هنا، أصبحت أمّاً وركّزت عملها... تروي ل"النهار": "منذ 18 عاماً قرّرتُ العودة إلى بيروت. خلال الحرب، غادرنا إلى قبرص حيث أمضينا بين 3 و4 أشهر قبل أن نمضي إلى كندا للتنعّم بحياة يسودها السلام. أسّسنا في الاغتراب Galerie Vanlian التي عَرَفَت النجاح نفسه الذي شهدته في السنين المنصرمة في لبنان... خلال إقامتي في الخارج غالباً ما أفتقدتُ لمناخ بلدنا، للناس فيه، ولحبّهم للحياة. فكان عليّ اتّخاذ قرار مصيري. استمعتُ إلى قلبي وعدتُ إلى وطني، وأنشأت عائلتي. لديّ ثلاثة أولاد. وأنا سعيدة جدّاً بالقرار الذي اتخذته."

ثمّ تقلُّنا كالين بسفرة عبر الزمن. تسردُ: "الذكريات التي أحملها من طفولتي في لبنان جميلة. كان والدي يأخذنا إلى مزارع فنتفرّج على الدجاج والبقر. وأمكث في طبيعة أعشقها." ثمّ تغوص في أفكارها مستكملة: "كنّا نمضي موسم الاصطياف في برمّانا ونلهو في الأحراج وهذا ما نمّى عندنا حثّ المغامرة. أذكرُ: الصنوبر، المأكولات،... كنّا نبيع أيضاً ألعابنا القديمة مقابل القليل من المال لنعطيه للفرقاء!"

يحملون في غربتهم قطعة من بلدهم

الروائيّة هيلين شيحا تقطن في اوستراليا وأمضت في لبنان مؤخّراً سنة كاملة. تسرد ل"النهار": "انّني من قضاء بشري وحين آتي الى لبنان اعيش في منزل جدي المحاط باشجار الزيتون. وأمضي وقتاً في متحف جبران خليل جبران ما ساعدني على إصدار روايات للصغار حول النبي."

من جهتها، تتحدّث لورا عون، احدى رؤساء غرفة الصناعة اللبنانية-الاوسترالية ل"النهار": "أمضيتُ حياتي في اوستراليا أمّا أهلي فقرروا العودة والاستقرار في لبنان منذ 7 سنوات. لديّ صوراً راسخة في عقلي من متجر أبي في زوق مكايل-جونية ومن بيتنا. نقوم هيلين وأنا بمسيرة نحو حريصا في شهر أيّار وهذا يعني لي الكثير. أشجّع المغتربين على القدوم الى لبنان فالتبادل مع الناس سهل لمن يتحدثون الانكليزية."

أمّا ستيفن كوبلن فأعاد احياء ذكرى جدته اللبنانية وأتى إلى لبنان مرّتين عام 2017 وعام 2019. هاجرت جدته عام 1890. ولدَ متمتّعاً ب4 جذور، منها، اللبنانية. والثقافة والجذور اللبنانية تعني له الكثير.

وفي هذا السياق نذكر ما أفاد به ل"النهار"، المخرج الأوسترالي "Glen Kalem" حول إعداده بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية وجامعة Western Sydney لبرنامج لبنان بلا حدود Lebanon without borders والذي يهدف إلى مساعدة المغتربين اللبنانيين على اعادة التواصل مع جذورهم. شعار مشروعهم "من ينكر أصله، لا أصل له."

نستنتج من كلّ ما ورد أعلاه أنّ المغتربين يسعون لبلورة علاقة وارتباط متين مع أرضهم. وعلى غرار جبران خليل جبران يمكننا القول: "لو لم يكن لبنان وطنهم، لاختاروا لبنان وطناً لهم"، فما من شيء يفوق حبّ الوطن.

"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard