قيود وتحرر

12 حزيران 2019 | 11:01

المصدر: النهار

قيود وتحرر

"من أرق قلب سحقته الأيام، وأجمل ابتسامة اضطهدتها الدموع لتحولها إلى تنهدات، من ولدكم الذي وقف في محطة الأيام وقد تعدّاه كل شيء سوى ألمه الذي تقوقع بداخلة، أهديكم تحياتي". كان هذا مطلع رسالة كمال التي بعث بها إلى عائلتة التي تقطن في الجنوب، حيث الألم والحزن متجذران في داخل النفوس، والذي أعتادوا مضغه كل يوم مع فناجين الشاي، وسماعه في مواويل الراعي، ومتسلق النخل. في قرية صغيرة نشأ كمال كباقي الأطفال يلعب قرب النهر الصغير وبين الحقول، يذهب أحياناً إلى كوخ صغير من القصب نصفه قد هوى إلى الداخل، حيث يقطن رجل كبير في السن يحمل له بعضاً من الخبز والتمر ترسله أمه إليه، لأن هذا العجوز قد توفي جميع أهلة بوباء أصاب القرية منذ زمن بعيد، وبقي هو لوحده تلوك به السنين، سنين الحزن والقحط والعجز، حيث تجاوز عمره الآن التسعين، حسب ما يروي كبار العشيرة. كان كمال يجلس مع الرجل العجوز ليحكي له بعض الحكايا التي ما زال كمال يختزنها في ذاكرته. أكمل كمال دراسته الإبتدائية والمتوسطة في المدرسة التي تقع في قرية تبعد عن قريته بحدود خمسة كيلومترات يقطعها مشياً على الأقدام يومياً ذهاباً وإياباً، لكن عندما أصبح في المرحلة المتوسطة كان يأتي مع صديق له على الدراجة الهوائية في الأيام التي لا تمطر، لأن طريقهما إلى المدرسة ترابيّ كحال كل القرى المجاورة. أصبح كمال في الإعدادية، تغيرت علية الأجواء والأصدقاء، حيث تحول للمدينة والتقى بطلاب جدد وأفكار جديدة. مرت السنين سريعة ونجح بتفوق وقُبِل في أحدى كليات العاصمة، عندها رأى أفقاً أوسع، لكن ما زالت وصايا والديه كما عهدها وهو في المتوسطة، لأنهم ما زالوا يدورون في فلك شيخ العشيرة وشيخ الدين، ويعتبرون الخروج عن تعاليمهما كفراً وتمرداً. عاش كمال صراعاً حقيقياً بين الإثنين في المرحلة الأولى من الكلية. لكن بعدها قرر التمرد والخروج من قوقعة القرية والانطلاق إلى الأفق الرحب الذي وقف على أعتابه. تعرّف إلى فتاة جميلة متحررة بعض الشيء، لذلك أراد أن يجاريها ويكسب ودّها. تعرّف إلى طلبة جدد من أبناء المدن وبدأ يتسكع معهم ويتلقف أفكارهم التي تطرد وصايا والديه من داخلة ويتمرد عليها. قرأ كُتُباً لكثير من المذاهب الأدبية حتى أحسّ بأن كل أفكار ومعتقدات القرية والتي هي معتقدات أهلة، كلها مغلوطة. كان عند سفره إلى أهلة في القرية يتضايق كثيراً لأنه لم يعد يؤمن أو يعتقد بما يعتقدون. لذلك قرر أن يشتغل في العطلة الصيفية بدل أن يذهب إلى أهلِه إلا أياماً معدودات. شعر والداه بأنه تغير. عاود أبوه تلاوة "الأسطوانة المشروخة" من وجهة نظر كمال. توفي والده في المرحلة الثالثة التي كانت عام تلكوئه في الدراسة. بعد وفاة أبيه طلب من أمه أن تأتي معه إلى العاصمة لكنها رفضت وقالت إنها لا يمكن أن تترك الأرض. هجرته حبيبته التي طالما كتب لها بعض الأشعار لأنها تعرّفت إلى شاب غنيّ، بعدها بسنة توفيت أمه. تأثر أكثر وصُدم. وأخذ يتسكع أكثر ويعاقر الخمر كثيراً، وما عادت القرية تهمة بشيء، وكفر بكل معتقداتها. وضعه النفسي تردّى وتأخر في الدراسة حتى ترك المرحلة الأخيرة. أصبح كل همّه الشرب والقراءة. عندها أحسّ بنفسه أنه قد تحرر تماماً من أي قيود. تسكع في الشوارع ونام على الأرصفة يتوسد كتاباً في يده. وفي ليلة شتائية أحسّ بأنه منهك. أخرج ورقة من جيبه وكتب: الآن أنا حرّ!! كسرتُ كل القيود لأنني حَكّمْتُ عقلي وتركت الموروث والتبعية... وأغمض عينية للأبد.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard