مرج بسري... "من شرفتي"

10 حزيران 2019 | 14:41

سد بسري.

في العام 1968، كتب بولس سلامه "من شرفتي"، أي من شرفته، ذات القناطر الأربع، في بلدته بتدين اللقش، المطلة على مرج بسري ودير المخلص وجون والبحر وكذلك عازور ومزرعة الضهر واقليم الخروب.

أرّخ الشاعر لمرج بسري بلغة الاديب، وأماط اللثام عن تاريخ بسري، لافتًا الى كنيسة سيدة بسري العجائبية وناقلًا الينا ما كتب عند مدخلها عن تأريخ بنيانها "خريب يمّ".

يذكٌرنا الشاعر بما كان عليه النهر وضفتاه قبل "طوفة" ١٩٢٥ التي جرفت السهل وغوّرته بعدما كان سهلاً مستوياً، وابتلعت ثلثي مساحته. "الطوفة" جرفت ايضا السد الصغير الذي بناه مسعود العازوري (عضو مجلس ادارة متصرفية جبل لبنان) لتغذية مطحنته التي تقع تحت مزرعة المطحنة، بلدة الوزير والقاضي يوسف جبران. ويصف المرج وتاريخه وبطيخه اللذيذ عندما كانت المياه تنساب على سطحه مرسلة الرطوبة لتغذي النبات على ضفتيه، ويكتب عن الأعمدة الرومانية الغرافيتية عند ملتقى نهري جزين والباروك في مرج عماطور، وقد اختفت حديثا التيجان الكورنثية التي كانت تزين تلك الاعمدة.

شرفة بولس سلامه، استضافت في صيفيات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، السيد موسىى الصدر الذي كان يزوره دائما عندما كان في صور، كذلك الرئيس كامل الاسعد، المطران يوسف الخوري، وجمع الرهبان الذين مروا على دير مشموشة، وشخصيات سياسية جزينية وجنوبية (ادمون رزق، جان عزيز...،)، والسفير السعودي في لبنان، بالاضافة الى شعراء لبنانين وعرب.

من زوار شرفته في احدى الصيفيات، اواخر الستينات، الشاعر عمر ابو ريشة برفقة الشاعر فوزي عطوي وكان من لطف بولس سلامه ان دعانا، اخي المؤرخ الدكتور الياس القطار وانا، مع اثنين من شباب القرية، الاديب الطكتور منصور عيد والطبيب شوقي القطار لحضور تلك الجلسة الادبية الفكرية.

اترك للقارئ متعة قراءة ما كتبه بولس سلامه حول مشروع البحيرة، وصرف النظر عنها بسبب زلزال العام 1956، والذي كان مركزه في منخسف جوبة عازور، وما ورد في كتاب "من شرفتي" عن مرج بسري:

***

"من شرفتي" مقتطفات

أنا على شرفة البيت الذي أبتناه أبي منزلاً ريفيّاً يُناظر البحر من جبل وسط. فينعم بالجمال زرقةً وصفاءً، بعيداً عن الرطوبة والملوحة والهدير، غريقاً في السكون والصمت الفصيح، بما ينطق بين يديه من مباهج، فالبحر من شرفتنا غيره مرئيّاً من الساحل، فهناك تشهده سهلاً أخضر موّاراً، ينفتح مداه حتى تخاله سويًّا، ثم يُباغتُه الفلك فكأنما الأُفق الزاهي قد بُتِر بتراً، أو ارتجل ارتجالاً. ومن بيتنا ترى البحر والفلك موصولين وصلاً عموديًّا، فلا تدري أنَهَضَ البحر لعناق السماء واقفاً، أم تدلّى الجَلَد فاقترنا قراناً أبديًّا.

أراني قد أبعدت فحملتك إلى البحر في وثبة صاروخيّة. وبيني وبينه قرابة عشرين كيلومتراً، في خطّ مستقيم.

ولا تحسبنّ هذا الفاصل من اليابسة قفراً أو أرضاً عاقراً، فهي مملكتي الصيفية، وإن لم أملك من ترابها سوى عقار زهيد، سأحدثك به كثيراً، ولكننا معشر الشعراء نرمي بخيالنا الصخر فينهلّ ماءً زلالاً فنرتوي باليسير ونستنبت الأرض العَزاز ورداً ونسريناً وعنباً شهيّاً.

وأول ما يواجهك من الشرفة خبْتٌ من الأرض، بعضه صمّان وبعضه ليّن يُدعى البقروق.

ولكن دعني أُطوِّف بك قليلاً، قبل الوقفة الطويلة التي سأقفها على البقروق الذي أملك.

فأول ما يبدو لك من شرفتنا، بعد أن تنتقل عيناك من خضرة البحر إلى البرّ، إقليم الخرّوب، وهو أصدق صفة لموصوف، فإن تلك الشجرة تؤاخي تلك البقعة البحرية الهواء، النادرة الينابيع والماء.

بيد أنّ أبهج ما يأخذ العين هو مرج بسري وواديه، وإنّه لأحبّ إليَّ من مرج دابق ومرج راهط، فإن أبيت إلاّ تذكار المعامع، فلقد شهد هذا المرج أيضاً سنابك الخيل وسمع صهيلها، وغطّاه العجاج في الوقيعة بين القيسية واليمنية، وكان النصر فيها لفخر الدين بطل عنجر وصوفر بل بطل لبنان غير مُدافع.

وإنّي لأعتذر إليك أيها القارئ، إذ أنا وقفتُ قلمي على مرج بسري في صفحات طوال، فلقد وقفتُ عليه عيني نحواً من ستين حولاً، أي في إبّان طفولتي، ومنذ أدركت أنّ العالم الخارجي هو غير الطفل بولس، ولن أتناوله بدقّة المؤرخ، فما التأريخ والأرقام سبيلي، بيد أنّي، وإن ألممتُ بشؤونه شاعراً، فلست عن تاريخه ببعيد.

أما بسري التي يُنسَب إليها المرج، فهي، في يوم الناس هذا، قرية لا تجاوز الثلاثين بيتاً متدرجة في سفح تلّ صخريّ مطلّ على سهل أفيح. واللفظة سريانية معناها اللحم. ولعلّ تربة واديها الخصيب أوحت بهذا الاسم، لما بين اللحم الدسم والثرى الجيّد من مَشَابه.

ولقد كانت هذه القرية الصغيرة، في غابر الدهر، بلداً كبيراً، وفيها شهد النور صفرونيوس، بطريرك أورشليم في القرن الرابع للميلاد، وإن ذهب نفر من المؤرخين الى أن منبته بشري، وأن بسري هفوة كتبِيّة وقعت في غياب المطبعة، وهكذا تقع التبعة على النقاط الثلاث فيبقى موطن البطريرك معلّقاً بين السين والشين.

وما أحسب البشراويّين الكرام يضنّون على بسري بصفرونيوس، أفلا يكفيهم أنّ بلدهم يتبوأ جبلاً يعلو عن سطح البحر قرابة ألف وخمس مئة متر، وأن بسرّي قابعة في وادٍ لا يجاوز علوّه أربع مئة متر؟ أفلا يزدهيهم أنّ وطنهم هو جار الأرز وعرينه، والقيّم عليه وعلى الوادي المقدس، وأنّ بشري واسطة العقد اللؤلؤي الذي يُرصّع الجبّة من الحدث المنيفة إلى إهدن الساحرة، وأنها منبت جبران العظيم.

ومما يدلّ على إمعان بسري في القدم، أنّ في جنوبها الشرقي بقعةً، تدعى جورة الملوك إلى الآن، وأنّ في سفح غابتها عقاراً يدعى ملّوليت...، وفيه آثارٌ تنبئ بتعاقب الفينيقيين والرومان على ذلك المكان. وأنه وجد في قارورة من فخّار ثلاثين قطعة من نقد فينيقي.

ويمتد الأثر الروماني بضعة أميال إلى مرج عمّاطور، حيث لم تزل العمد الأربعة الرومانية العهد، المصرية المصدر، باديةً إلى يومنا هذا عند ملتقى نهري جزين والباروك.

ولقد كان في نية الحكومة اللبنانية، قبل وقوع زلزال سنة 1956 أن تجعل من المرج بحيرة لمشروع الليطاني الضخم، إذ تقيم سدًّا جبّاراً في آخر السهل، فتخلق بحيرة لا تقلّ مساحتها عن ثلاثين كيلومتراً مربّعاً. ولو تحققت الأمنية لكان للبنان بحيرة تزري ببحيرات سويسرا، ويشخص إليها السيّاح ألوفاً وعشرات ألوف. ولما كان سدّ القرعون بإزائها شيئاً مذكوراً. إذ أنه يقع في بساط من الأرض، يحوطه بعض المشارف والتلاع، أما البحيرة فلو قامت لحضنتها الجبال الشوامخ، وأحنت عليها من جهاتها الثلاث حنوّ الأم على وحيدها، عائداً من ساحة الوغى ظافراً.

وما إن سرت الشائعة حتى أنبتت في أذهان جيران المرج ألف حلم وحلم من ذهب إبريز، وزمرّد وجمان، ففكروا في إنشاء الفنادق الفخمة على شفا بسابا، الذي يبدو للناظر إليه من قضاء جزين أحدب رقيقاً كالسيف، وعلى قرن الجوبة ومن مطلاّت الميدان ومشموشة، وسواها من الذرى السواحر الأُخر؛ وحلموا بالزوارق والمراكب، والمصاعد الكهربائية تنقل السيّاح إلى الفنادق، على نحو ما يجري اليوم في التصعيد من جونيه إلى حريصا.

أما أنا فكنت أحلم بأن أشهد البحيرة، من شرفتي هذه التي تعلوها أربع مئة متر، مستلقياً على كرسيّ مستطيل، فأراها في الصباح وقد انكشف الضباب وتقشّعت جوانبها، ومخرتها المجاذيف، ورفّت الأشرعة، وهدر البخار، فتكون لي، على بُعدها، داراً أيّ دار، وساحة فيحاء، ومحبرةً زرقاء أغطّ فيها يراعي لتقييد الخواطر الصباحيّة، إذا راودني الشعر وانثالت عليّ القوافي، وازدحمت المعاني، فاتّهمت ذاكرتي، وجزعت أن تنفلت الخواطر، فواعجباً لتلك البحيرة التي تبخرّت مياهها قبل ميلادها.

ويزعم بعضهم أنّ الذي صرف الأذهان عن هذه البحيرة الكبرى الى البركة الصغرى، التي أقيمت في أنان، فاستُعيض عن الفيل بالجرذ، وعن الوليمة بالرغيف القفار، هو سلطان إحدى الشركات التي تبارت إلى المشروع فأثّرت في رأي الحكومة، وتقوّل الناس ما قد تقوّلوا، ولا غرو فالعامة سيئة الظن بأية حكومة، وهي لا تنفكّ ترميها بالتقصير، حتى في إصلاح ذات البين إذا وقعت الواقعة بين زوجين، لأسباب لا ناقة فيها للحكومة ولا أرنب.

وإنما حوّل الخواطر عن البحيرة الزلزال الذي كان مرج بسري منطلقاً له. ومما لا ريب فيه، أنه لو قامت البحيرة وحدث زلزال آخر لمحا مدينة صيداء من الوجود. وما هي بالمرّة الأولى التي ينطلق فيها الزلزال من هذه البقعة، فلقد وقع أشدّ منه في أواسط القرن الثالث عشر، فهدّم كثيراً من القرى، وجعل أسافلها أعاليها. وقد أرّخ أحد الزجّالين، عهدئذ، للكارثة بقوله "خريب يمّ" وهذه "اليم" ترادف تماماً الفصيحة، فلو جمعت إلى سابقتها لكانت الحصيلة 1252. وفي تلك السنة شيّدت كنيسة بسري. وأرجّح أن التاء في خربت، ضمير إلى بسري. وكانت مدينة قائمة على هذا الوادي، فهدمتها الزلزلة، ومن المرجّح أن جبل الجوبة خسفت به الأرض فانفصل جزءٌ منه، وانسدّ مجرى النهر ثلاث سنين، فتعالى الماء بحيرة رسب الطمي في قعرها فكان بركة وخصباً، وأصبح الوادي سهلاً سويّاً، وجرى النهر على وجه الثرى مجراه الطبيعي بضعة قرون، يتقلب على الحصباء رائقاً في الصيف والخريف، فإذا جاء الشتاء وغصّ المجرى مال على جانبه ميلاً رفيقاً، كأنه يداعب السهل ولا يؤذيه. وكان الحجاز الذي يصدّ طغيانه سدّاً شبه طبيعي واقعاً في منتهى السهل، أساسه عرق صخري هائل، تعلوه صخور كأسْنِمة الأباعر، تنزلق عنها المياه، وتكرّ إلى الوادي المحاذي مزرعة المطحنة، وإنما دعيت القرية كذلك لقيامها بجانب طاحون كبير، ابتناه المرحوم مسعود العازوري كان يمده السدّ بقناة واسعة. وخلع مسعود اسمه على المطحنة والسدّ معاً. وكنت إذ أمرّ حياله يخطر لي انفجار سدّ مأرب وما تلاه من تفرّق العرب قبائل وبطوناً وأفخاذاً. ثم استبعد ذلك موقناً بمتانة السدّ.

على هذا الوجه عرفت النهر صبياً، فغلاماً يافعاً، فشاباً أيّداً. أربعة أشياء إذا ذكرت، فلا بدّ أن يتمثل لي منها ما قد علق في حافظتي صبيّاً. فإن قيل المدينة تخيّلت صيدا قبل نيويورك ولندن وباريس، وإن قيل الدير برز لي دير مشموشة، أو ذُكِرَ النبيُّ لاح لي مقام النبي ميشا، جار الدير على الرابية.

أما النهر فيتبادر إلى بصيرتي نهر بسري (وهو الأوّلي نفسه عندما يبلغ صيدا) من دون المسيسبي والنيل والأمازون والدانوب الأزرق. ذلك لأنه كان أغزر ماءٍ جارٍ شهدته في طفولتي. وكان بالنسبة إلى العين التي نستقي منها، والى القناة التي يجري فيها الماء لريّ الأرض، كنسبة المحيط الهادئ إلى هذا الجدول الذي لو رآه مصريّ لابتسم لتسميته نهراً، كما نبتسم نحن اللبنانيين لتسمية رابية المقطّم جبلاً.

إذا لم يبق النهر في خاطري ماءً جارياً، بل عاد تذكاراً حلواً وصديقاً كنا نفيءُ إلى ظلاله، ونطارد الطير على صفصافه الباكي، ونصيد السمك بالشصّ من غُدُرٍه، ونبترد في سد مسعود إذا لفحنا الهجير، ونسمر على سطح الطاحون في ضوء القمر، ونقْلُنا البطيخ من غلّة المرج، وقد برّده النّدى منتشراً على الضفتين، وهو مضرب المثل في حلاوة مذاقه، لجودة المنبت، وغنى التربة التي تراكمت في ثلاثة أعوام كما أسلفنا القول، وهي تربة جرفها السيل من قنن تومات نيحا وقمم الباروك، فأهداها إلى الوادي فغطت بطاحه، فتلألأ نضارة وتدفق خصباً. ولقد أصبح النهر عندي جزءاً من الأنا السيكولوجية المستقرّة في اللاوعي (Inconscient) حيث يتمّ سفر تكوين الإنسان.

ثقافة جديدة في عالم النبيذ ... تعرفوا إلى "primeurs"

قد تعتقدون أنكم تعرفون الكثير عن النبيذ وعالمه واسراره الا ان ما ستسمعونه اليوم سيخلق عندكم الفضول لتعرفوا أكثر عن هذا العالم. اليوم سنعرفكم على ثقافة أو تقليد في عالم النبيذ يتداول من سنوات عديدة "primeurs". تعرّفوا الى هذا التقليد من خلال هذا الفيديو:


للمزيد عن "فينتاج" اضغط هنا


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard