زفاف نوفل

6 حزيران 2019 | 11:18

تجارة الجِمال (تعبيرية).

دارت كؤوس الشاي على أفراد العائلتين بعد رفع الصحون الدسمة. لم يمنع أكلُ اللحمِ، أبيضه وأحمره، أطباقَ الحلوى من أن تتخطَّفَها الأيدي عن آخرها. كانت غرفةُ الضيوف رغم ضيقها تبدو رحبة بفعل أكاليل زهورٍ اصطناعية زاهية الألوان على الجدران والأستار. لم يشعر نوفل أن أخذته سَكْرة الحفاوة حين صاروا ينادونه مولاي السلطان، فطفِق يحكي عن أحد مقالبه على غير عادة الخُطَّاب في ساعة الحرج الأكبر.

**

تطوَّع في إحدى المناسبات ليخدم باسُّو في إعداد الشاي، وما أدراك ما باسُّو. الرجل الأسمر ذو الهيئة الضخمة كأنه من الأولين ومن المُنظَرِين ومن بقية عمالقةٍ غابرين. قد يكون ذاك سرَّ إتقانه للشاي، منذ كان ربما يُخلط بالسرخس في الزمن الغابر قبل اكتشاف النعناع. من طول خدمته لعِليةِ القوم كان باسُّو يعشق أن يتربع في صدر قاعة الحفل يلبس الأبيض والأسود كأنه قائد في بداية القرن العشرين منحَ نفسَه ترف صورة فوتوغرافية تخلده. وكان يشترط أن يكون رهن إشارته شخصٌ متطوع ومطيع، يصبر على قسوته إن أخلَّ بمراسيم الشاي المُلوكية. وقد لا يصبر؛ كما حدث لنوفل حين خطرت له تلك الليلة مكيدة يكسر بها سَلطنة الرجل الزائفة الكاذبة. ناداه باسو حين وضع خلطة الشاي والنعناع وبراعم الأترج وكسرتين متوسطتين من السكر المخروطي في بطن البرَّاد الكبير. هبَّ نوفل مبايِعا يحمل مغلاة الماء الكبيرة. صب في البراد حتى أوقفه باسو بتصفيق أرستقراطي. تريث باسو قليلا، ثم أخذ يصب الشاي في الكوب ويعيده ثم يصب ويعيد، ثم احتسى مقدارَ ثُمالة لينظر جودة المحلول، وعبس عبوس استنكار. أشار إلى نوفل ثانية. هب نوفل بالمغلاة، فأعاد باسو تقليب المحلول وذاق الثمالة، ثم كشر من جديد. أحس بسمرة وجهه تعلوها الحمرة. الحاضرون من حوله ينظرون، وينتظرون الإفراج عن شاي ذائع الصيت، لكنه اليومَ عرضةٌ للفشل. سابقة ما لها لاحقة. دعا باسو نوفل ليضيف الماء مرة ثالثة، ثم رابعة. هباءً. المحلول يزداد حلاوة، وفوائضُ الماء المصبوب تملأ الكؤوس، توحي بأنها شاي وما هي بشاي مُعتبر. قام أحد الضيوف ليتناول كأسا فمنعه باسو قائلا: "واشَوَا بغيتي تشربْ التشليلة؟" ثم استأنف تعليماته لنوفل. أمره أن يناوله المغلاة. سلمه إياها ثم اختفى كأن لم يكن. رفع باسو المغلاة بتوتر شديد. استغرب وزنَها الزائد فوضعها أرضًا. أزاح غطاءها العصِّي، فجحظت عيناه حين اكتشف نصف مخروط من السكر يسبح كجبل من جليد في ماء حار وحلو ومقيت. ركل الصينية فطارت وطار ما عليها من الأواني، وغادر باسو كالجمل الأهوج.

**

ضحك الجميع من طرافة الخدعة ومن حلاوة روح نوفل. احمر وجهه ثم عاد لحياء الخاطبين، بعد فاصلٍ من أريحية.. كان السي بادُّو أب المخطوبة صامتا يتأمل قسمات صهره الشاب وبَشرتَه الملوَّحَة المدبوغة. هذه الطلاقة عنوان اطمئنان تام، وهذه المراسيم كأنها مصادقة على عقد خفي ضمني فحسب. لا بأس. الزمان غير الزمان والفتنة لم يعد يدري أحدٌ هل هي نائمة أم قائمة.

لما سكت عنهم الضحك، نطق السي بادُّو مستقصيا في نبرة اطمئنان: "قلت لي إنك تشتغل في تجارة الجِمال مع الوالد.. أظنها تجارة قديمة وليست بالهينة؟" التفت نوفل يمينا وشمالا وتردد واحمر وجهه، ثم تدارك شجاعته قائلا:" نعم يا عمي.. أنا أتاجر في الجِمال مع الوالد.. والحمد لله الأمور على ما يرام.." تدخلت أم المخطوبة مستبشرة مُطَمئِنة على مستقبل ابنتها جميلةْ. حسمت الجدل بالعبارة الشائعة: "شوف أولدي.. اللي ثْقَالتْ عْلِيك خْفَافْتْ عْلينا.."

ارتعشت كف نوفل وهو يوقع بخربشة مرتبكة تحت آخر سطر خطه العدل الموثِّق الأنيق ذو الطربوش الوطني والجلباب الأحمر، وأغلِق السِّجل. كان مجلدا باللون الأحمر تتوسطه نجمة خضراء. تذكر السي بادّو ابنته جميلة حين كانت صغيرة تردد: "عَلمُ بلادي جميل.. علم بلادي أحمر.."، كأنها البارحة فقط. ها قد صارت عروسا في لمحة برق وانتقلت لتسكن مع زوجها في بيت عائلته. مؤقتا. ريثما يوظب سكن الزوجية عن قريبٍ قريب.

**

انطلق السِّي بادّو بعد شهور مؤقتة ليزور ابنته في بيتها المؤقت الذي نسي الطريق إليه، فسرطته دروبٌ لم يعبرها من قبل أو منذ زمن غابر. أفضت به إلى ساحة اتخذها بعض الباعة سوقا. وجد صهرَه نوفل جالسا هناك، كما لا تراه العين المجردة، لأنه عند التقاط المشهد سارعَ بالاختباء خارج إطار الصورة. اختفى داخل أحد المحلات تاركا سُفرتَه على الأرض فيها منتجات ومُجسمات حيوانات جلدية تقليدية. السي بادّو رابه الأمر. تربص وانتظر حتى خرج نوفل بحذر شديد. لا مفر. حَمُوه يبدو مُصِرًّا مثل طفل ينتظر أن يطل الحلزون بمِجَسَّاتِه الأربعة.. رد عليه تحية متلعثمة، فسأله:

- ماذا دهاك يا ولدي؟ ماذا تعمل هنا؟

دقت ساعة الحقيقة. أشار نوفل إلى مبيعاته على الأرض وسرد كلاما دون فواصل، مثل متهم يريد أن يستفيد من تسليم نفسه والاعتراف بالأفعال المنسوبة إليه:

- نعم عمي بَادُّو كما ترى.. هذه جِمالي التي قصدت وأنا بائعها.. لم أكذب عليك ولكن تجملتُ فقط.. ولا تهتم عمي.. ابنتك جميلة في عيوني..

تبسم السي بادّو في غير مفاجأة إذ لم يعد في العالم شيء يفاجئ العاقل وقال:

- لا عليك يا بني.. ومنذ اليوم سأعفيك من أن تناديني "عمي بادُّو".. اتفقنا؟

- عفوا عمي بادُّو.. ولكن كيف سأناديك؟

- نادني عمي باسُّو.. أو إن شئت.. نادني باسُّو باختصار.

اقرأ للكاتب أيضاً: VIP حلاقة

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard