كانّ ٧٢ - باتريسيو غوزمان ليس سينمائياً حراً

31 أيار 2019 | 15:10

المصدر: "النهار"

باتريسيو غوزمان (تصوير رينالدو أوبيّا).

باتريسيو غوزمان سينمائيُّ شجن، حالم ورقيق الاحساس. كان في الثانية والثلاثين عندما شهد على بلدٍ يمضي نحو الديكتاتورية بخطى عسكرية بقيادة الجنرال بينوشيه السيئ الذكر. هذه التروما لم يشفَ منها إلى اليوم، حتى بعد نحو ٣٠ فيلماً موضوعها الأوحد تشيلي والذاكرة المرتبطة بها، آخرها "لا كوردييرا الأحلام" الذي عُرض في #كانّ ٧٢ (١٤ - ٢٥ أيار) ضمن فقرة "عروض خاصة"، وفاز عنه بجائزة "العين الذهب" التي تُسند إلى أفضل وثائقي.

خطاب الفيلم واضح: تذكير التشيليانيين بماضيهم وبمَا حلّ بهم. لأنه يبدو ان الجميع قد نسي. والجميع انتقل إلى مرحلة جديدة من دون حتى فهم ما حصل. على رغم ان الآثار لا تزال في كلّ مكان لمَن يريد ان يرى. لم يعد يؤلم غوزمان ما عاشه من تعذيب وقهر واستبعاد، بقدر ما يشعر بألم جرّاء سقوط هذا كله في النسيان.

طريق الذاكرة عند غوزمان تمرّ عبر مزيج من العناصر: التجربة الشخصية، جغرافيا البلاد المتنوعة من الصحراء إلى الساحل، ومعطيات تاريخية.

بعدما تكلّم عن جنوب البلاد (صحراء أتاكاما) في "نوستالجيا الضوء" ثم شمالها في "الزر اللؤلؤة" (منطقة باتاغونيا)، يجد غوزمان ضالته في الكوردييرا، سلسة جبال الأنديز المهملة من جانب الحكومات التشيليانية المتعاقبة بالرغم من انها تمثّل ٨٠ في المئة من مساحة تشيلي. هذه الجبال التي تعلو فوق العاصمة سانتياغو تشكّل مدخلاً جديداً إلى ماضيه وماضي بلاده. يجدها لازمة ممتازة للحديث عمّا حصل في السبعينات، فسلسلة الجبال هذه شاهدة على كلّ شيء. شاهدة من النوع الذي لا ينحاز ولا ينسى ولا يحاول التخفيف من وطأة المأساة على جيل كامل من التشيليانيين الذين خرجوا من بلادهم ولم يعودوا.

يصوّر غوزمان هذه الجبال الشامخة متمنياً لو لها القدرة على النطق.

منذ انقلاب ١٩٧٣، أمضى مخرج "معركة تشيلي" أكثر من نصف عمره في المنفى. عاش في سبعة بلدان، منها كوبا وإسبانيا وفرنسا، والأخيرة هي البلاد التي يقيم فيها حالياً من دون ان يشعر انه أكثر من سائح فيها. الا ان الذاكرة، بدلاً من ان تضمحل مع مرور الزمن، أضحت أقوى من أي وقت مضى عند فنّان من خامة استثنائية صار على مشارف الثمانين.

الفنّ والحياة أيديهما متشابكة في نظره. لذلك، لا يتوانى عن اشباع أعماله بنبرة شاعرية تحمل بصماته. بهذا، يعطي فيلمه الوثائقي شكل قصيدة.

في مقابلة سابقة لي معه، كان يقول: "كلّنا شاهدنا صوراً ولقطات تلفزيونية من معسكرات الاعتقال النازية وألفناها إلى حدّ ما، ولا نزال حتى اليوم نشعر بالحاجة إلى الحديث عنها، ولكن علينا أيضاً اطعام أطروحتنا بلغة الشعر. هذا طبعاً إذا أردنا منح التراجيديا دلالات أعمق. ما يهمني في الحقيقة هو استنباط الألم من المأساة، وأيّ لغة أكثر من اللغة الشعرية قادرة على ذلك؟ اليوم، في زمن الانترنت، نحن نعجز عن فعل هذا. نتابع صور الموت والقتل على الانترنت. ثم ماذا؟ لا شيء!”.

بعد مشاهدة الفيلم، توجهتُ إلى مقابلة غوزمان. ارتجلنا حديثاً عن علاقته بتشيلي وهو على بُعد آلاف الكيلومترات منها. فجأةً، حملنا الحديث إلى "السترات الصفر" في فرنسا. فرنسا التي يرى الوضع السياسي فيها أعقد وأقل استقراراً من الوضع في وطنه: "حتى هذه اللحظة، تشيلي بلد منضبط جداً ومنظّم جداً. ليست هذه حال فرنسا، حيث المواطنون في امكانهم التصدي للقانون بشكل علني. في فرنسا، غير مستبعد ان يقوم الناس بتدمير الدولة بأكملها. لا نعرف ماذا سيحصل مع الوقت، لننتظر ونر، فالأشياء بدأت للتو”.

منذ بداية لقائي به، وددتُ ان أسأله لمَ لا يزال ينجز الأفلام عن تشيلي، وهو بعيد منها مسافات جغرافية وزمنية. فقال بإسبانيته المطعّمة ببعض الجمل الفرنسية الركيكة: "تشيلي شغفي. لستُ سينمائياً حراً. لديَّ ماضٍ لم أنجح في تخطيه. أنا دائماً في الطريق نفسها. لا تعنيني مشاكل أخرى ولستُ منفتحاً حيالها. في فرنسا، يمكنك الجلوس واختيار العديد من المشكلات المثيرة. ولكن هذا لا يشدّني. لا أود إنجاز الأفلام عن هذه الأشياء. أجهل لماذا، ولكن تشيلي تحلّق في رأسي طوال الوقت".

مع ذلك، لا يرغب في العودة إلى تشيلي، معتبراً ان وجوده فيها لن يشعره بالراحة النفسية.

هل لأن غوزمان صنع بلداً وهمياً في رأسه، ثم بدأ يبحث عنه في الحقيقة؟ ربما لهذا السبب لا يرغب في العودة، لأن صورة معينة عن تشيلي تكرّست في مخيلته، وأغلب الظنّ انها على نقيض تام للصورة الحقيقية. الذهاب إلى تشيلي يعني الاشتباك بها وصناعة خيبة. يوافق غوزمان على هذا الطرح، فيرميني بعبارة ديبلوماسية لطيفة: "هناك احتمال ان تكون على حقّ”.

الكتّاب والسينمائيون في نظره يبنون عالماً كاملاً من حولهم. "عشتُ في سبعة بلدان قبل ان أشد مرساتي إلى فرنسا. شعرتُ دائماً بأنني في حالة ترانزيت. الجميل في المنفى انك تخسر بلداً ولكن تربح بلداً آخر. والإنسان يعتاد هذا في حياته. الا انك، في النهاية، لا تملك الا شيئاً واحداً: ذكريات من بلدك الأول. حفظ بلد ما في الذاكرة يعني اصلاحه. مصير تشيلي مرتبط بالذاكرة. هذه بلاد لا يدرك سكّانها إلى اليوم ماذا حلّ بها. لا يوجد وعي حقيقي. لذلك، المستقبل لا يزال غامضاً”.

"الهوية كتاب مفتوح، ما هي الهوية في الحقيقة؟"، يسأل غوزمان بدلاً من ان أسأله.

"ربما يمكنك أن تبنيها أيضاً"، أرد عليه بتردد. يبتسم. نهاية الحوار.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard