مصارف الأعمال في لبنان... مرحلة تحوّل في الأسواق المالية تستدعي الحذر

31 نوار 2019 | 00:19

شهد قطاع مصارف الأعمال في لبنان تطوراً لافتاً ومهماً خلال الاعوام الاخيرة، حيث نجحت هذه المصارف في تثبيت موقعها على الساحة المصرفية اللبنانية والعربية والإقليمية. وهذا القطاع بات يقدم سلّة متكاملة من الخدمات الاستثمارية، بركائز عديدة وقوية مكّنته من تحقيق التقدم والإزدهار، ومنها الكادر البشري الذي يعمل فيه والذي يتمتع بخبرات عالية في مجال الاستثمار والإستشارات المالية وتحاليل السوق، والاهم التعاطي الجيد مع المستثمرين. كما يُشهد لهذا القطاع مدى التزامه في تطبيق المعايير الدولية وبخاصة في مكافحة تبييض الاموال وتجفيف مصادر تمويل الارهاب، كذلك يتميّز قطاع مصارف الاعمال في لبنان بإتباعه أحدث التقنيات والتكنولوجيّات المصرفيّة لإدارة أعمالها وخدمة زبائنها محلياً وعالمياً.

بالأرقام

نتيجة مراعاتها لتوصيات مصرف لبنان، نجحت مصارف الأعمال العاملة في لبنان خلال الأعوام القليلة الاخيرة، في تعزيز محفظة تسليفاتها الى القطاع الخاص مقابل توظيفاتها مع القطاع العام، مسجلة فائضاً بقيمة 2,3 مليار دولار حتى شهر آذار 2019. وأظهرت الاحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان إرتفاعاً في مستوى الموجودات المجمّعة لدى مصارف الاستثمار العاملة في لبنان بنسبة 2,65% خلال الفصل الأول من سنة 2019 ليتجاوز حجمها ما قيمته 5,45 مليارات دولار، مقارنة بما قيمته 5,3 مليارات دولار في نهاية العام 2018. وفي تفاصيل احصاءات البنك المركزي، زاد رصيد النقد والتوظيفات مع المصارف المركزية بنسبة 10,27% لتتخطى مستوى 1,71 مليار دولار بالتوازي مع إرتفاع التسليفات الى القطاع الخاص والتي تشمل العملاء المقيمين وغير المقيمين والقطاع المالي المقيم، بنسبة قاربت 0,55% الى ما قيمته 2,31 مليار دولار، ما طغى على التراجع في قيمة محفظة الأدوات المالية بنسبة 4.94% الى 952 مليون دولار. أما المطلوبات، فقد زادت ودائع القطاع الخاص الذي يشمل المودعين المقيمين وغير المقيمين والقطاع المالي المقيم لدى مصارف الاستثمار العاملة في لبنان بنسبة 0,06% حتى شهر آذار من سنة 2019 الى ما قيمته 2,05 مليار دولار، رافقها تحسّن في الأموال الخاصة لدى المصارف بنسبة 6,9% الى 1,79 مليار دولار وإرتفاع في المطلوبات الأخرى بنسبة 2,71% الى 1,24 مليار دولار.

تطوّر القطاع وتحديات المستقبل

مرة جديدة جمعت "النهار" على طاولتها عدداً من المسؤولين في مصارف الاعمال في لبنان، في جلسة حوار ومناقشة غاص خلالها الجميع في تفاصيل أداء القطاع والصعوبات التي يواجهها وكيفية التغلّب عليها، بالاضافة الى دوره في تدعيم الخطط الاقتصادية الوطنية بهدف إعادة تحفيز النمو الاقتصادي اللبناني. وشهدت هذه الجلسة أيضاً، نظرة شاملة حول آخر التطورات على الساحة الاقتصادية والمالية العالمية، نتائج الحرب التجارية العالمية المندلعة بين أكبر قوتين إقتصاديين في العالم، الولايات المتحدة والصين وتداعياتها على الاسواق المالية مروراً بتحليل بعض اسعار الأصول ومستقبل اسعار النفط والعملات وغيرها من الملفات. ضمّت الطاولة المستديرة التي نظمتها "النهار" كلاً من المسؤول عن الاستثمارات الماليّة في بنك عوده للخدمات الخاصّة يوسف نظام والمدير المشرف على أعمال الاستثمار في مصرف FFA Private Bank أياد بستاني، بالاضافة الى مساعد المدير العام ومدير الخدمات المصرفية الخاصة في البنك اللبناني الفرنسي شارل سالم.

الكل يجمع على المخاطر الكبيرة التي يشهدها العالم والتي تنعكس بوضوح على الاسواق المالية، وأبرزها ما تحمله الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، ومن هنا يعتبر سالم اننا دخلنا حالياً في دورة إقتصادية ناضجة يُتوقع أن ترافقها تطورات جيوسياسية، بالاضافة الى تقلبات في الاسواق المالية. ورغم ذلك يجب التأكيد على وجود فرصة مهمة في الاسواق يمكن الاستفادة منها من خلال تعزيز الاستثمار في بعض الاسهم والسندات. فسياسات المصارف المركزية العالمية تتجه إلى إبقاء اسعار الفوائد متدنية، ومن هنا يجب التركيز على الاستثمار في بعض السندات المغرية بالمردود والتي تحافظ على تصنيف مرتفع ما يحد من المخاطر للإستثمار في هذه السندات فيما يبقى المردود مرتفعاً. هذا ويميل سالم أكثر للإستثمار حالياً في بعض الاسهم، ومنها الاسهم الاميركية أكثر من الاستثمار في الاسهم الاوروبية التي تعاني من بعض تبعات الازمات السياسية في القارة الاوروبية، ومنها ما يتعلق ببريكست في بريطانيا، بالاضافة الى الغموض الذي يلف سياسات البنك المركزي الاوروبي والذي يترافق والانقسام السياسي في أوروبا، ما يرفع المخاطر تجاه تحركات هذه الاسهم. ومن هنا يعطي سالم ايضاً الافضلية للقطاعات الدفاعية والمؤسّسات ذات الميزانيات المتينة كالعاملة في قطاع الصحة والسلع الاستهلاكية الأساسية. أما الانفراج على صعيد السندات الأميركية والأوروبية الطويلة الأجل، فسيتيح تحقيق نتائج جيدة في سنة 2019. فهوامش التسليف "بدرجة الاستثمار" والتي كانت تباعدت عام 2018، تبدو مغرية، وكذلك سندات الدين ذات المردود العالي. ومن المتوقّع أيضاً أن تستفيد سندات الأسواق الناشئة بالدولار من عوامل إيجابية كالاستقرار الماكرو- اقتصادي في هذه البلدان.

بدوره، يشدد نظام على أهمية التعريف مجدداً بالاستثمار وهو خطوة تستمر لفترة طويلة، ما يعني حتماً ان التقلبات في الاسواق لا تؤدي حتماً للإنسحاب منها، لا بل يمكن تعزيز المحافظ ولكن بطريقة مدروسة للحد من المخاطر، ما يسمح للمستثمر بعبور التقلبات بطريق آمنة، وهذا ما يمكن ان يوصي به لكل المستثمرين في الاسواق المالية للحفاظ على مستويات إيجابية من المردود على الاستثمار. فمن الضروري عدم تعديل المحافظ عند اي تقلبات في الاسواق، في إشارة الى ما تشهده الاسواق المالية العالمية حالياً من تقلبلت سريعة نتيجة التطورات الجيوسياسية. ورغم ذلك، يعتبر نظام ان المرحلة الحالية هي المرحلة الاخيرة من الدورة الاقتصادية، وهذا ما يحتّم على المستثمرين في الاسواق المالية رفع درجة الحيطة والحذر لناحية الاستثمار، مع العمل دائماً على رفع نسب الاستثمار في السندات واللجوء الى الاستثمار في سوق السندات التي تحمل مردوداً مرتفعاً ومخاطرها أقل لكونها خاصة بالسندات التي تأتي من أسواق تمتاز بتصنيف ممتاز، ما يؤمّن الحماية من المخاطر. كما يوصي نظام أيضاً بضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية بإضافة بعض عقود الذهب الذي يعتبر من الاستثمارات الآمنة خلال التقلبات لحين مرور المرحلة الضبابية الحالية. ويشير بضرورة مراقبة التطورات على صعيد أسعار الفوائد وتحديداً منها الاميركية، بالاضافة الى مراقبة التطورات السياسية بين الاقتصادات الكبرى.

أما بستاني فركز جزءاً من مداخلاته حول الداخل اللبناني وكيفية تطوير السوق المالية اللبنانية، مشدداً على أهمية إتاحة المعلومات الكافية للمستثمرين، فالعلومات تدخل في مسار تحديد اسعار الاسهم والمشتقات المالية. هذا ويؤكد أيضاً أن بناء أسوق مالية متقدمة ومتطورة ينطلق من تأمين المعلومات الشفافة الموضوعة في تداول الجميع. ومن هنا ضرورة إقرار قوانين تعزّز الشفافية المطلوبة لايصال هذه المعلومات الى السوق بطريقة موضوعية يمكن البناء عليها لتقييم الاستثمار وألاسعار. على الصعيد اللبناني، يشدد بستاني على ضرورة الاستثمار في البنى التحتية وإنعاش القطاع الصناعي لما له من دور أساسي في النهوض بلبنان ومدّه من جديد بالدينامية اللازمة، مع ضرورة العمل على إقناع السلطات العامة بتغيير النموذج الاقتصادي، وتعزيز مشاركة الجهات الخاصة في التمويل وانفتاح رأس المال على العدد الأكبر من المموّلين، ما يرفع أيضاً حجم السيولة في الأسواق.

أسعار النفط إلى أين؟

أثرت التطورات المتسارعة على الصعيد العالمية على اسعار النفط التي تمر في مرحلة تخبّط بين دعم من العقوبات على إيران وفنزويلا والازمة الليبية، وإلتزام "أوبيك" بمستويات الانتاج التي تساهم في رفع الاسعار من جهة، ومن جهة أخرى الضغوط من المخاوف حيال تراجع الطلب العالمي على الخام نتيجة الحرب التجارية الاميركية – الصينية. من هنا إستبعد الحاضرون على طاولة الحوار ان تعود الاسعار الى المستويات القياسية التي تحققت قبل الانهيار، فيما يُتوقع أن تبقى هذه الاسعار بين 60 دولاراً الى 70 دولاراً وهي مستويات صحية بالنسبة الى الدول المنتجة والمتطورة، وتعتبر اسعاراً مريحة لكل الاطراف وبمستويات جيدة بالنسبة الى توازن موازنات هذه الدول.

اضغط هنا لعرض كامل الملحق الخاص بمصارف الأعمال

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard