هل للبنان القدرة على تطبيق تجربة مصر؟

29 أيار 2019 | 10:11

المصدر: النهار

هل فعلاً لبنان يستطيع تطبيق تجربة مصر؟

ألقى دولة الرئيس سعد الحريري كلمة لبنان خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العربي الذي انعقد في لبنان بمشاركة السيد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري، حيث عبّر الحريري عن إعجابه بالتجربة المصرية وأكد تطلع حكومة لبنان لتحقيق ما أنجزته مصر من نهضة وتطوير في كافة المجالات، وحدد خياران لا ثالث لهما، إما السقوط الاقتصادي أو تطبيق التجربة المصرية في لبنان.

قبل أن ندخل في تفاصيل التجربة المصرية لا بد من الاشارة إلى أن توقعات مؤسسات دولية اقتصادية تنبئ بتبوّؤ مصر مركزاً اقتصادياً متقدماً جداً على الساحة العالمية وذلك بناء على توقعات نمو على المدى الطويل، وباعتبار أن حصة البلدان من الناتج الاجمالي العالمي تقارب مع نسبتها من سكان العالم.

هنا لا بد أن نشير بأنه لا يمكن لأحد أن ينكر سياسة الاصلاح الاقتصادية والقرارات الشجاعة التي نفذتها الحكومة المصرية بدءاً بقرار بناء عاصمة جديدة للبلاد، إلى تعويم الجنيه المصري ورفع دعم الدولة عن المحروقات، وإلى ما هنالك من إجراءات اقتصادية إصلاحية إضافة إلى إجراءات سياسية من تغيير الدستور المصري لضمان بقاء الرئيس السيسي في الحكم حتى عام ٢٠٣٠، وهو ما أوحى بشيء من الاستقرار السياسي النسبي والذي سينعكس إيجاباً على المناخ الاستثماري في مصر.

وهنا أود أن أطرح هذا السؤال: هل فعلاً لبنان يستطيع تطبيق تجربة مصر؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أن نستكشف عناصر نجاح تجربة معينة لبلد معين ومقارنة هذه العناصر مع البلد الآخر، فالتجارب الناجحة ليست بقليلة في عالم اليوم، من الصين إلى الهند ومن كوريا إلى ماليزيا، ولكن ما يعنينا اليوم هي التجربة المصرية بحكم كلام دولة الرئيس، مع أنها لم تكتمل، وهي بحسب رأيي، في طور النشوء وفي مراحلها الأولى، مع تحقيق مشاريع ضخمة من افتتاح محطات كهربائية عملاقة ومن الأحدث في العالم، إلى بناء عاصمة جديدة وإنشاء الجسور المعلقة على النيل، وبناء الطرقات والمحاور، بالإضافة إلى مشروع القطار السريع وتوسعة قناة السويس وغيرها من مشاريع الطاقة الشمسية وبناء المطارات وتطوير الزراعة إلى مشاريع أخرى. هذه الانجازات أتت ضمن خطة متكاملة ومُحكمة لقرار سياسي موحد من رأس الدولة مرفود بدراسات علمية وفي بلد اللااعتراضات تذكر، ولا نقابات تعارض، ولا أساتذة تضرب عن العمل، ولا مؤسسات دولة مسيسة، ولا أزلام السياسيين مزروعون في كل الوزارات، وطبعاً هذا النموذج غير متوفر حالياً في بلد كلبنان يعاني من مرض الطائفية السياسية والاقطاعية والفساد المستشري بكل مفاصل الدولة، ويعاني من تعداد نازحين يفوق نصف عدد السكان، من دون أن ننسى الدين العام المرتفع جداً قياساً بالدين العام المصري، كما أننا لا يجب أن ننسى بأن مصر تتمتع بمعاهدة سلام مع إسرائيل وتمتلك أجمل الشواطئ، ناهيك عن الحضارة والاثار والثقافة المختلفة من ناحية العلاقة بين المواطن والدولة.

لبنان يا دولة الرئيس لم يعتد حتى على إنجاز الموازنات، وكل إنجاز ولو ضئيل يقوم على تدوير الزوايا وليس بقرار، ويكفي فقط معرفة أن تكلفة رواتب القطاع العام في مصر تبلغ ١٦ مليار دولار سنوياً وذلك لحوالي ١٩ مليون موظف بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء، في حين تبلغ رواتب ٤٠٠ ألف موظف ومتقاعد في لبنان حوالي ٨ مليارات دولار أي إن راتب موظف القطاع العام في لبنان يساوي حوالي ٢٠ ضعفاً راتب موظف قطاع عام في مصر، ورغم ذلك فلبنان يكاد يكون مشلولاً، ومستوى الخدمات سيئ للغاية، وهناك سوء تصرف وقح لبعض موظفي القطاع العام لعلمهم بأنّ لا رقيب ولا محاسبة بل محسوبيات ودكاكين سياسية، وأنتم كسلطة تنفيذية لا تستطيعون حتى تطبيق قانون "من اين لك هذا؟"

بناء على ما تقدم وباختصار يا دولة الرئيس ومع فائق احترامي لتطلعاتكم الصادقة، فإني أرى أن لا مجال لتبني تجربة مصر وأنتم عاجزون حتى عن تأمين رواتب الموظفين لأكثر من شهر أو شهرين، وعاجزون حتى عن أخذ القرارات، وكلنا يعلم بمقولتك الشهيرة في جلسة مجلس الوزراء بأنك تخشى ثورة شعبية عندما تقدّم أحد الوزراء باقتراح ضمن مناقشة الموازنة الماراتوني.

ما أود قوله هو أن النوايا وحدها لا تكفي لتحقيق مشروع معين، بل إن الامر يتطلب شجاعة في القرارات، وإذا ما أردتم تطبيق التجربة المصرية فعليكم أولًا بالتجربة التركية الأصلح لفتح أبواب السجون لكل سياسي فاسد وموظف سارق، وعند امتلاء السجون بالفاسدين عليك بالتجربة المصرية.

"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard