صفعة القرن

28 أيار 2019 | 17:07

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن اجتراح الحلّ النّهائي للقضيّة العربيّة الإسرائيليّة التي لم تعد نظریة على الورق أو مجرّد تصريح انتخابي يردّ بموجبه الرّئيس الأميركي دينًا له على إسرائيل. لقد تحوّلت هذه النّظريّة إلى واقعٍ ترجمته السیاسات الامیركیة كلّها منذ قدوم ترامب للسلطة، وهي لیست في حاجة لإعلان، فقد بدأ تنفیذھا منذ إعلان الإدارة الأمیركیة نقل سفارتها للقدس ووقف دعمها المالي للأونروا. فهل ستطوي السياسة الأميركيّة نزاعًا قارب عمره القرن من الزّمن في عهد ترامب؟ أم أنّ القضيّة العربيّة ستشهد انتكاسة جديدة لتصبح الصفقة المزعومة صفعة ونكبة القرن؟

تعمل الإدارة الأميركيّة على تثبيت وجوديّة دولة إسرائيل على حساب وجوديّة دولة فلسطين. وذلك جليّ من خلال دعمها المباشر وغير المباشر بحيث بلغت النفقات المعلنة لدعم إسرائيل سنويًا (أكثر من 3 بلايين دولار)، ولقد كشفت صحيفة "غلوبس" العبريّة، المتخصصة في الشؤون الإقتصاديّة في 19 أيّار من العام 2014، عن أنّ حجم المساعدات الأميركيّة لإسرائيل في هذا العام بلغت 3.6 بلايين دولار. وهذه الأرقام مدرجة في الموازنة الفيدرالية الأميركية لعام 2014 التي أقرها الكونغرس.

جدير بالذكر أنّ صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية ذائعة الصيت كانت قد كشفت عن أنّ الدولة العبريّة كلفت الولايات المتحدة ماليًا منذ العام 1973؛  1,6 تريليون دولار (أي 1600 بليون دولار)، أي أن كل مواطن أميركي دفع 5700 دولار بناء على عدد سكان أميركا اليوم. هذا عدا عن المبالغ التي تدفعها السلطات الأميركية، تتلقى إسرائيل مساعدات تأخذ أشكالًا متنوعة، لعل أبرزها: الأموال التي تجمعها المنظمات الخيرية اليهودية في الولايات المتحدة على شكل منح. وآخر ما ورد حول الدعم الأميركي، كان مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي على المساعدة الأميركية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على امتداد عشرة أعوام مقبلة، بغض النظر عمن يكون رئيس الولايات المتحدة. وبالمثل قدمت الولايات المتحدة قرابة 2.365 ملياري دولار، لغرض تطوير نظام جيش الاحتلال المضادّ للصواريخ "حيتس". كيف سيتصدّى بلد المئة مليار دين بلد المليارات؟

إضافة إلى ذلك كلّه، فإن جميع أركان هذه الإدارة المعنيين، ابتداء من الرئيس الأميركي ترامب إلى صهره جاريد كوشنر إلى سفير أميركا في اسرائيل دافيد فريدمان، إلى ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي وغيرهم الكثير، يدعمون إسرائيل. كذلك إغلاقهم لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ما هذه إلا مؤشّرات واضحة بأنّ حل الدولتین المتعارف عليهما تاريخيًّا یتمّ قتله رسمیا الیوم من الادارة الامیركیة لحساب قيام دولة واحدة معروفة الهويّة وأخرى باتت التسريبات إلى حينه وحدها التي ترسم حدودها. ومن أبرز ما سُرّب ضمّ القسم الأكبر من الضفّة الغربيّة حيث توجد المستوطنات اليهوديّة، ليكلّف الأردن المنهوك اقتصاديًّا، بعد تلقّيه مساعدات ماليّة خياليّة، بإدارة الأراضي التي ما زال الفلسطينيّون فيها. ما يعني ذلك أنّ غزّة وحدها ستكون الوطن الموعود، والضّفّة الوطن المسلوخ. ما يعني أيضًا إسقاط فرضيّة القدس عاصمة فلسطين. وإذا قبل الأردن هل سيقبل الفلسطينيّون؟

ذلك كلّه، وسط هتافات علت تؤيّد توطين اللاجئين أو على الأقلّ قسم منهم، لا سيّما في لبنان بعدالضّغط الذي يعانيه في الملفّ الاقتصادي. إلا أنّ هذا الموضوع تمّ البتّ فيه بشكل نهائي في التّعديل الدّستوري الأخير الذي جرى في الطّائف 1990، حيث لحظت مقدّمة الدّستور أن لا توطين تحت أيّ ذريعة كانت. هل سيعدّل لبنان مقدّمة دستوره لقاء سداد مجمل ديونه؟ أم هل ستعود المقاومة اللّبنانيّة إنّما على قاعدة العمل السياسي وليس العسكري؟

إذا ما قدّر لهذه الصّفقة بأن تنجح فهي ستكون نكسة القرن للفلسطينيّين وصفعة القرن للعرب. فالفلسطينيّون سيفقدون ما يقارب أكثر من تسعين في المئة من وطنهم الأمّ ليتبقّى لهم غزّة المكتظّة التي قد تشهد تمدّدًا نحو سيناء لقاء مساعدات سخيّة لمصر المنهوكة اجتماعيًّا واقتصاديًّا. وعلى ما يبدو أنّ هذا القرن لن يشهد حربًا للحضارات كتلك التي سوّقها في القرن الماضي الكاتب اليهودي صمويل هنتغتون، بل ستكون الحرب فيها وفق نهجين أساسيّين: الحرب بالوساطة، والحرب بالاقتصاد. أين مصلحة العرب بين هاتين الحربين الباردتين؟

وخير نموذج على هذين النّوعين ما حدث في سوريا، وما سيحدث في إيران التي قد تشكّل ضربة ما لمصالحها بطريقة غير مباشرة، أو ضربة مباشرة لها العنصر المساعد لإسقاطها اقتصاديًّا من الدّاخل. بالطّبع هذه ليس تمنيّات إنّما قراءة واقعيّة لمجمل الأحداث وفق السياسة التي تتبعها أميركا وضمنًا لواقع البلدان العربيّة المترهّل اقتصاديًّا واجتماعيًّا. فهل سياسة كسر الأذرع اقتصاديًّا ستنهي أزمة القرن بصفعة؟

 

"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard