انتخابات بلدية إسطنبول تقرّر بقاء إردوغان أو أفوله

27 أيار 2019 | 23:25

على مدى شهر والرئيس رجب طيّب إردوغان يبحث في كيفية قلب الموازين والتلاعب بإرادة الناخبين لتغيير خارطة الانتخابات المحلية في مدينة اسطنبول، والتي جاءت نتائجها عكس رغباته بفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو.

بعد هزيمة مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم، رئيس وزراء سابق وأحد رجال أردوغان الموقوفين، شنّ أردوغان والصحف الموالية له حملة تشويش عن مخالفات وتجاوزات رافقت العملية الانتخابية مما استدعى مطالبته اللجنة المشرفة على الانتخابات لإعادة فرز الأصوات. بعد 17 يوماً من الفرز أكّدت نتائج صناديق الاقتراع فوز أوغلو وبدأ الأخير بممارسة صلاحياته كرئيس للبلدية. أردوغان قدم عدة طعون وطالب بإعادة الانتخابات في اسطنبول فقط وتحديداً منصب رئاسة البلدية. رضخت اللجنة لطلب السلطان والإجابة لأهوائه وحدّدت موعد 23 حزيران موعداً للانتخابات الثانية.

على مضض تقبّلت المعارضة القرار وأبدت استعدادها لمواجهة مرشح أردوغان في صناديق الاقتراع وسط غضب وسخط الناخبين الذين اعتبروا قرار إعادة الانتخاب غير عادل وغير شرعي. كما انتقدت الصحافة الأوروبية القرار وتخوّفت أن يكون مقدمة لإجراء انتخابات مزورة وغير نزيهة تضمن فوز مرشح السلطة بن علي يلدريم.

تصرّف أردوغان الأرعن اظهر أن الدولة التي يتمتع رئيسها بسلطة إلغاء الانتخابات عندما لا تعجبه النتائج قد أصبحت دولة ديكتاتورية مستبدة رغم ادعاءات أردوغان وأبواقه بأنه تصرّف من وحي حرصه على اللعبة الديموقراطية والتمثيل الصحيح...

أردوغان الحاكم المطلق الصلاحيات والمنفرد في الرأي لا يغير عاداته. إذ سبق وألغى انتخابات في مناسبتين: أبطل الانتخابات النيابية في 2015 وأعادها في 2016 لضمان أغلبية نيابية لحزب العدالة والتنمية. في 2017 عند الاستفتاء الدستوري لاستبدال النظام البرلماني بآخر رئاسي تمكّن من تحويل الهزيمة في صناديق الاقتراع بحشد المقترعين في اللحظات الأخيرة لتأمين الأكثرية المطلوبة والمشكوك بصحتها.

هذه المرة علامات التعب بدأت تظهر على الرأي العام التركي منذ حكم أردوغان. وهو يدرك ذلك رغم إلقائه اللوم على الآخرين المتآمرين من أتراك وأجانب الذين يحملهم مسؤولية التدهور المالي والاقتصادي والتوتر مع الولايات المتحدة الأميركية. أردوغان بات يخاف من بروز منافسة جدية وحقيقية قد تنتقص من صلاحياته وتفقده السلطة. بعض أعدائه يعتبرون خسارته في اسطنبول إذا حدثت، ستكون بداية نهايته وهو القائل: "إذا فقدنا اسطنبول سيكون بمثابة خسارة تركيا". فهو مرعوب من نمو ونشاط المجتمع المدني الذي يطالب بالتغيير ويتطلّع إلى دماء جديدة شابة بعد عقدين من حكم أردوغان رئيساً للوزراء ثم رئيساً للبلاد.

لذلك تعتبر معركة اسطنبول معركة حياة أو موت لأردوغان، لأن المدينة/ العاصمة تمثل القلب النابض للاقتصاد والأعمال والسياسة والثقافة في تركيا. سقوط اسطنبول في يد المعارضة يعني تعرية أردوغان ووضع نهاية للرجل الأسطورة الذي التصق اسمه وتاريخه بالمدينة منذ 1994 عندما تولى رئاسة بلديتها وقام بورشة تحديث بنيتها التحتية من تجديد شبكات المياه والغاز وبناء نواد وملاعب رياضية...

وتمثل اسطنبول أهمية خاصة ومميزة. إذ هي العاصمة الفعلية للبلاد أكثر بكثير من أنقرة الذي اختارها أتاتورك انتقاماً من الإرث العثماني. اسطنبول تسيطر على ثلث الاقتصاد الوطني ويقطنها 16 مليون نسمة أي خمس سكان تركيا (80 مليون نسمة) وفيها معظم الاستثمارات الكبرى المحلية والأجنبية. إنها فعلاً درّة التاج في الجمهورية نظراً للميزانية الضخمة والمشاريع الكبرى التي تتولّى البلدية تنفيذها والتي تقدر بـ30 مليار دولار.

وبسبب هذه المشاريع الإنمائية الضخمة يستطيع الحزب الحاكم الذي يسيطر على اسطنبول أن يتحكّم بالمؤسسات والمشاريع ويتقاسم المغانم والمنافع مع المحازبين والأنصار والأقرباء من رجال الأعمال وأفراد أسرة أردوغان المحظيين الذين يعطون عقوداً بملايين الدولارات بدون إجراء مناقصات...

خسارة اسطنبول للمعارضة يعني تجفيف منابع تمويل حزب العدالة والتنمية. إذ تشبه البلدية ببقرة يحلب الحزب نفوذها لتمويل برامج أردوغان لكسب المؤيدين والانصار والمنافع...

لهذا يلوم بعض المحلّلين أردوغان لخطأ إقحام نفسه في انتخابات محلية. إذ تدخله السافر حول الانتخابات إلى تصويت بالثقة على قيادته. رئيس البلاد يجب أن لا يذبح نفسه في معركة محلية الطابع مما قد يعرضه إلى هزيمة بل مذلة إذا حشدت المعارضة قواها وفازت في الدورة الثانية. الواقع أن أردوغان سيعمل المستحيل للتمسّك ببلدية اسطنبول وضمان فوز مرشحه بن علي يلدريم بأي وسيلة.

وفي سبيل ذلك، لجأ إلى مناورة ذكية يحاول أردوغان تمريرها بالسماح لمحامي الزعيم الكردي عبدالله أوجلان الذي ينفذ حكماً بالسجن في جزيرة أومرلي أن يقابله للمرة الأولى في ثماني سنوات. تكتيك أردوغان هو التقرّب من الزعيم الكردي لجذب الأصوات الكردية التي صبّت في 31 آذار الفائت لمرشح المعارضة أوغلو.

التقرّب من عبدالله أوجلان في هذا الظرف بالذات يخدم هدفين: الإيحاء للجمهور الكردي الذي يشكّل وزناً انتخابياً مهماً في مدينة اسطنبول (1,200 مليون صوت) أن حزب العدالة والتنمية مستعد للتفاوض مع أوجلان بشأن القضية الكردية التي توقفت في 2015. ثانياً إفهام زعيم حزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين ديمرطاش المسجون أيضاً أن باستطاعة أردوغان تجاوزه والتفاوض مع الأب الروحي للقضية الكردية بعد أن أعلن ديمرطاش تأييده لأوغلو وحضّ أنصاره بالتوجّه إلى صناديق الاقتراع بكثافة والتصويت للمعارضة نكايةً بأردوغان. وفعلاً امتنع حزب الشعوب الديموقراطي وحزب "جيد" عن ترشيح ممثلين عن حزبيهما وصبّا كل ثقلهما لمصلحة أكرم أوغلو. لأردوغان مصلحة أيضاً في التفاوض مع أوجلان لإقناع "قسد" قوات سوريا الديموقراطية الكردية للتفاهم مع أنقرة.

يعد أكرم إمام أوغلو (48 سنة) وجهاً جديداً وصاعداً في السياسة التركية، ومنافساً محتملاً لأردوغان إذا كتب له الحظ واختير رئيساً لبلدية اسطنبول. قاد حملته الانتخابية بذكاء وحصافة وهدوء. خاطب الناس بطريقة عفوية ومباشرة. زارهم في أحيائهم واستفسر عن مشاكلهم ومطالبهم بالتركيز على القضايا المعيشية التي تهمّ المواطنين من نقل ومياه وخدمات. طريقته المباشرة في الكلام البسيط نالت الاستحسان وكسب ود وثقة الشباب وربّات البيوت والمثقفين الذين يعلّقون آمالاً على وجه جديد متواضع ومستمع لهمومهم اليومية.

التواصل الشخصي والكلام الهادئ والعفوي أدخل أوغلو إلى الأحياء التي كانت محسوبة على العدالة والتنمية حيث أنصاره في المجتمع المدني استعملوا وسائل التواصل الاجتماعي مما أعطى أملاً للناس الذين سئموا خطابات أردوغان النارية والصداحية والفوقية والمنفرة والتي غالباً ما تدور حول القضايا الوطنية الكبرى والمؤامرات الخارجية وتطهير الحزب والإدارة والجيش من الخونة والأعداء...

أوغلو أتقن التواصل مع الشباب وركّز على الأمل بغدٍ مشرق وطمأنهم بأن "الأمل موجود عنده" "وكل شيء سيكون على ما يرام" متفادياً الاثارة والانفعالية واستفزاز الناخبين. نجح في تقديم نفسه كدم جديد وعقلية جديدة، لا يستعمل الدين ولا يوظفه لأهداف سياسية. في لفتة موفقة نالت استحساناً عندما حضر صلاة الغائب عن ارواح شهداء مجزرة نيوزيلاندا وقرأ بعض الآيات القرآنية. هذه الإشارة لفتت الانظار لأنها تتناقض مع الصورة النمطية لحزب الشعب الجمهوري العلماني الأتاتوركي. عكس أردوغان الذي استخدم فيديو المجزرة الصادم واستغلّ المناسبة لإلقاء التهم على الغرب وأعداء الإسلام.

وأوغلو يتحدر من أسرة محافظة من قرية قريبة من طرابزون المطلّة على البحر الأسود. درس علومه الابتدائية والثانوية في طرابزون ثم انتقل إلى اسطنبول ودخل جامعة اسطنبول وتخصّص في الإدارة والأعمال.

ينتمي إلى أسرة سياسية، والده مؤسس فرع حزب الوطن الأم في طرابزون الذي كان يتزعّمه رئيس الوزراء الراحل تورغوث أوزال. في الجامعة تحرر من البيئة المحافظة وتعرف إلى القيم الديموقراطية الاجتماعية إلا انه لم ينخرط في العمل السياسي حتى عام 2008 عندما انضمّ إلى حزب الشعب الجمهوري. في 2009 أصبح رئيساً لبلدية أحد أحياء الشطر الغربي من اسطنبول حي بيليكروزو حيث اغلب أعضاء البلدية كانوا من حزب العدالة والتنمية. في 2014 سيطر على البلدية بكامل أعضائها. أداؤه الجيد لفت نظر قيادة حزب الشعب الجمهوري فرشّحه لرئاسة بلدية اسطنبول.

mahasamara33@gmail.com


"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard