"الكاتب" يُخرِج ليلى من بطن الذئب: ورطة الخرافة

27 نوار 2019 | 22:30

المصدر: "النهار"

باسل خياط ودانييلا رحمة في "الكاتب".

"الكاتب" مختلف، يقدّم كلّ يوم معلومة. حوادثه ليست من نوع المطّ، ولا مللَ في سياقه. المسلسل ("أل بي سي آي"، "أبو ظبي دراما"، كتابة ريم حنا وإخراج رامي حنا) يترك الزبدة للحظة الأخيرة، ومن الآن حتى يحين الفرج، لا يُفلت الحبل من يده. يقع في منزلقات، ثم ينهض. الفخاخ حوله كثيرة، والمصيدة تترقّب الفريسة. قوّته في الطيران خارج السرب والزقزقة في المساءات الباردة. قد ترتجف الحبكة، من دون أن تقع. ثمة ما يجعلها تتماسك وتحافظ على اللُحمة. عين رامي حنا تملأ الثقوب وأداء الشخصيات (تقريباً) يشفع. في الخلاصة، المسلسل من الفئة الناجية. يمرّ بصعود وهبوط، بضربة موفّقة ودعسة ناقصة. 

ثلاثة أسئلة: مَن قتل تمارا؟ هل انتحر شادي؟ هل انتحرت جيهان؟ كلّها مُشرّعة، مفتوحة على المصراعين، تحتمل أسئلة داخل الأسئلة. الانتحار والقتل ذريعة لخروج ليلى من بطن الذئب. الجميع متّهم حتى إثبات العكس. الزيف قاسم مشترك بين الوجوه، والمجد الباطل الحقيقة الوحيدة. الجميع في مستنقع على شكل فقّاعة. مجموعة دوائر في قلب دائرة. وتمدُّد ثم تلاشٍ. الكلّ معرّض ليصبح ماء آسنة. ضفادع مقتولة بنعيقها. 

الأداء التمثيلي لباسل خياط بشخصية يونس جبران، نصف المسلسل. الرهانات عليه لا تُخطئ، يضع رمضان في الجيب، ويضمن النتيجة. الإبرة تنكز الجميع في خاصرته. كلّما اتّضح لُبس، تلبّد الجوّ مرّة أخرى. المسلسل نصّ لا يعرف على أي برّ يرسو، مراكبه متهالكة، يملك مفاتيح لأبواب بعضها مشلّح وبعضها منزوع القفل. المهم أنّنا طوال الوقت في ورطة. وهو أيضاً إخراج أنيق، مَشاهد القطار ترفع المستوى، الألوان حميمية، الزمن يتداخل، والخيالات تعاند الواقع. موتُ شخصية هو ولادةٌ لشخصية. تصفية حسابات من دون خطّ عودة. في كلّ حلقة، أوراق تين تتساقط. هذه مرحلة الوصول إلى "العريّ" التام. البشر على حقيقتهم: برستيج وقتلى ومزاعم تافهة. حتى يونس جبران، "الكاتب الكبير"، بنى الاسم والشهرة على كذبة. كلّهم في محكمة النوايا، أبو سعيد، مجدولين، دينا، مدام ومسيو عزّام، حتى الكولونيل والصحافي الانتهازي. الأحياء والموتى في قبضة واحدة، ومَن يُنهي حياته كمن يمحي الآخر بشخطة قلم. 


النصّ حتماً خيالات تشطح بعيداً. ليت الكتّاب اليوم ينالون بقدر الاجتهاد والتعب. يتراءى يونس جبران نجماً هوليوودياً لا كاتباً في العالم العربي. تسقط الواقعية أمام الميل إلى الخرافة. لكنّها للأمانة، خرافة جاذبة، ومن الظلم الحُكم بإعدام زهرة، أو مقاضاتها على أنّها من فصيل الصبّار وشوكه. "الكاتب" كتاج على رأس عروس، جميل لكنّه لا يضمن سعادتها الأبدية.


اقرأ للكاتبة أيضاً: من زمن القبضايات... جوليا قصّار: الخسارة كبيرة

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard