إرث من الفشل... لماذا كان عهد ماي "كارثيّاً"؟

26 أيار 2019 | 19:18

المصدر: "سي أن أن"

رئيسة الوزراء البريطانية المستقيلة تيريزا ماي

كتب لوك ماكدجي، منتج بارز في شبكة "سي أن أن" مقيم في لندن، أنّ "بريكست" دمّر رئيس وزراء آخر في بريطانيا. بعد ثلاث سنوات على تفويض الناخبين حكومتهم لإخراج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبي، أدى فشل تيريزا ماي بتحقيق ذلك إلى تقديم استقالتها. يبدو دوماً أنّ الأمر ينتهي على هذه الشاكلة بالنسبة إلى قادة حزب ماي المحافظ والمنقسم لسنوات حول علاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي. غادر سلفها دايفد كاميرون صباح اليوم التالي على تصويت البريطانيين بنسبة 52% لصالح الخروج من الاتحاد، بعدما أشرف على خطئه الحسابي الخاص في السياسة.

إذلال لماي ولحزبها

تحت قيادتها، تحول الحزب المحافظ من أن يكون في نظر المراقبين الحزب الطبيعي للحكم إلى حزب الفوضى السياسية. أسوأ من عدم القدرة على الحكم، أدى سوء تعامل الحزب مع "بريكست" إلى الإذلال العلني لأقدم وأنجح منظمة سياسية في بريطانيا، فعانى من خسائر انتخابية أمام حزب منافس لم يكون موجوداً حتى قبل ستة أسابيع. قالت ماي سابقاً إنّها ستستقيل إذا تمت الموافقة على اتفاقها، فتترك شخصاً آخر يريد المرحلة التالية من بريكست. لكن بدا أنّ رفض الاتفاق وقيادتها، من جميع العاملين في حقل السياسة وعلى مختلف مستوياتهم، قد أفضى إلى هذه النتيجة أيضاً.

سيتم تحديد إرث ماي السياسي عبر الإخفاقات والإذلالات العلنية والأخطاء الحسابية السياسية الكارثية. لم يكن لها دخل ببعض هذه الأخطاء، بينما نتج البعض الآخر عن نصائح سيئة ممن اختارت أن تحيط نفسها بهم. وكان جزء منها بسبب الأزمة السياسية غير المسبوقة التي سيطرت على البلاد خلال توليها منصبها. لكنّ الكثير من سوء الحسابات كان بسببها. أثّر العديد من قراراتها بشكل سلبيّ في قدرتها على القيادة. لم تكن مشكلة ماي في أنّ السياسات البريطانية وصلت إلى طريق مسدود في غالبية فترات السنوات الثلاث وحسب، بل في أنها هندست بشكل متكرر أساليب لجعل سلطتها الخاصة تتآكل.


"حزب بغيض"

قبل توليها منصبها، مالت ماي طويلاً لشغل مناصب مرموقة. في 2002، وخلال ترؤسها الحزب المحافظ، خاطبت ماي المناضلين في مؤتمرهم الحزبي السنوي. في ذلك الوقت، كان المحافظون خارج السلطة لخمس سنوات. وكان للحزب مشكلة في صورته وبالتالي في أدائه الانتخابي. قالت ماي: "أنتم تعلمون ما يدعونا به البعض – الحزب البغيض". أنتج الخطاب عاصفة ومهد الطريق لعصر جديد. سنة 2005، انتخب الحزب دايفد كاميرون زعيماً له وقد أدرك أهيمة دعم ماي لذلك جعلها حليفة قوية وأشرفت على تحديث سريع للحزب.

أصبح كاميرون رئيساً للوزراء سنة 2010 على الرغم من ترؤسه تحالفاً حكومياً مع حزب الليبيراليين الديموقراطيين من يسار الوسط. مرة أخرى، أدرك كاميرون أهمية ماي وقدرتها على جذب أكثر الأعضاء انتماء للفكر المحافظ في القاعدة الحزبية فعينها وزيرة للداخلية.


قوة يُحسب لها حساب

اعتُبرت ماي واحدة من أصلب أعضاء حكومة كاميرون. كوزيرة للداخلية، اتهمت اتحاد الشرطة بأنّه يطلق تذمراً كاذباً من تخفيضات طالت موازنته. ترأست سياسة خلقت "بيئة عدوانية" تجاه المهاجرين غير الشرعيين. وانتقدت الاتحاد الأوروبي في مسائل تبدأ من الهجرة وصولاً إلى ترحيل إرهابيين بارزين. كانت قوة يُحسب لها حساب، ونُظر إليها على أنها واحدة من الركائز الأساسية للسياسات المحافظة في تحالف عرّضه الليبيراليّون للهشاشة.

وحين استقال كاميرون عقب نتائج استفتاء بريكست، اعتُبرت ماي جديرة بالثقة لتنفيذ المهمة. هي دعمت أساساً البقاء لكنّ سجلها في وزارة الداخلية عنى أنها كانت قوية كفاية للوقوف في وجه الاتحاد الأوروبي. كانت المرشح الأفضل لتوحيد طرفين في الحزب المحافظ صوتا لسياسات مختلفة. على الأقل، كان ذلك على المستوى النظري.


كانت ستندم... أول خطأ كارثيّ

من اللحظة التي أصبحت فيها رئيسة للوزراء بدأت تبعد الأشخاص الذين ستندم لاحقاً بسبب عدم قدرتها في الاعتماد عليهم. في الأشهر التي تلت استلام ماي منصبها، تصلب موقفها من "بريكست". كسبت شخصيتها الجديدة المتحمسة ل "بريكست" دعماً من نوابها والإعلام المؤيّد للخروج من الاتحاد الأوروبي. وفيما أكسبها موقفها الجديد بعض الأصدقاء، أبعد عنها أولئك الذين أرادوا "بريكست" ليّناً أو لا "بريكست" على الإطلاق. لكنّ ماي ومستشاريها لم يدركوا كيف كانت خارج فقاعة "بريكست".

هذه الثقة الجديدة أدت بماي وحلقتها الضيقة إلى ارتكاب أول خطأ كارثي. في حزيران 2017، على الرغم من عدم تحقيقها تقدماً كبيراً في خطط بريكست، أجرت ماي انتخابات مبكرة مقتنعة بأنه أمكنها زيادة غالبيتها البرلمانية من 13 إلى ما يفوق 100 مقعد. ارتدت خطتها عليها.

إنّ حملة انتخابية ضعيفة بالكاد ظهرت فيها ماي أمام الجمهور، وبدت مصممة على تفادي أي من الناشطين فيها، جعلتها تظهر بعيدة من الناخبين ومتعطشة للسلطة. خرج الحزب بأكبر كتلة في البرلمان، لكنّ ماي حُرمت من الغالبية الفعالة. منذ ذلك الحين، لم يكن بإمكانها أن تلتقط أنفاسها.

لم تأبه للمآسي

في أقل من أسبوع على هذه الإهانة غير الضرورية، صُدمت بريطانيا بمأساة. خلّف الحريق الذي ضرب برج غرينفل في لندن 72 قتيلاً ومجتمعاً محطماً. انتُقد ردّ ماي على نطاق واسع. زارت البرج لكنها لم تلتق بأي ناجٍ. جعلها ذلك تبدو باردة وغير متعاطفة. وبينما لا يسعى أحد لاستغلال كارثة لمكسب سياسي، تضاعفت بليّة ماي عبر صور زعيم حزب العمّال جيريمي كوربين معانقاً ناجين. والأسوأ بالنسبة إلى ماي كان في نظرة كثر إلى مأساة غرينفيل كنتيجة للسياسات المحافظة خلال عهد كاميرون. لم يكن مهماً ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا. حزب العمال كان إلى جانب الشعب. ببساطة، ماي لم تأبه.

بعد أقلّ من أسبوع على غرينفيل، عانت بريطانيا من مأساة أخرى. دهس رجل بريطاني ذو سجل عنيف وإعجاب بأفكار مناهضة للإسلام بسيارته حشداً من المسلمين كانوا يغادرون مسجد فينسبوري بارك في لندن بعد أدائهم صلاة التراويح. بعد زيارتها مكان الاعتداء، تعرضت ماي للمضايقات من قبل المتجمعين. أصبح الجو السياسي في البلاد محموماً.

تشبيهات مزعجة

تعرّض المفاوضون البريطانيون لعتاب أوروبي علني بعد كل اجتماع. مع مرور الوقت لان موقف ماي من "بريكست" بعدما أصبحت المحادثات مع الاتحاد أكثر وداً وتم التوصل إلى أرضية مشتركة. لكنّ ماي ارتكتب خطأها السياسيّ الآخر هنا. في حين كانت المحادثات لا تزال مستمرة بشكل جيد في بروكسل، كانت خطة ماي حول بريكست لا تزال سرّيّة بالنسبة إلى كثر في لندن. لم يكن مهماً أنّ الحكومة والمسؤولين الأوروبيين وافقوا على تفاصيل غامضة لكن مهمّة، وقبول البريطانيين أو الطبقة السياسية بها هي مسألة مختلفة بالكامل. إنّ فشلها بحمل مجلس عموم منقسم على الالتفاف حولها أنتج موافقة على اتفاق كرهه البرلمان. ولهذا السبب، كلما وضعته على التصويت، فشل في الحصول على الموافقة.

خلق ذلك مشاكل لماي في لندن وفي أوروبا. بمرور الوقت، توقف القادة الأوروبيون على تصديق أي شيء تقوله. وانطبق الأمر نفسه على مؤيدي بريكست الذين رأوها مرة بطلتهم. ووصلت النقطة الدنيا في ثقة أعضاء الحزب بها خلال اجتماع للمؤيدين المتطرفين للخروج السنة الماضية، حين وصفها بعضهم بهتافاته ب "ماي المسترضية" في إشارة إلى رئيس الحكومة الأسبق نيفيل تشامبرلاين الذي حاول استرضاء هتلر.


قراراتها السابقة تطاردها

خارج سياق "بريكست"، عادت سياسات ماي حين كانت وزيرة للداخلية كي تطاردها أكثر من مرة. كانت البداية مع فضيحة "ويندراش" حيث أدت سياستها عبر "البيئة العدوانية" إلى تمرير قانون يطلب من المهاجرين إثبات أوضاعهم عبر تأمين ورقة عمل عند مزاولة نشاطات يومية كاستئجار شقة أو تولي عمل. من دون قصد، ضرب ذلك القانون جيلاً من المهاجرين من جزر الكاراييب الذين قدموا إلى المملكة المتحدة في سنوات ما بعد الحرب ليعوّضوا النقص في القوة العاملة. كان العديد منهم من دون أوراق عمل وواجهوا فجأة التهديد بالترحيل على الرغم من قضائهم عقوداً في البلاد.

جعل الغضب العام ماي تبدو مرة أخرى بعيدة من الناس وغير متعاطفة. وهذا عنى أيضاً أنّ واحدة من أقدم الموالين لها، آمبر رود، أجبِرت على تقديم استقالتها من وزارة الداخلية التي تشرف على شؤون الهجرة. قرارات أخرى تم اتّخاذها في حكومة كاميرون أنتجت مشاكل لماي. تم تحميل مسؤولية أزمة جرائم السكاكين في المملكة إلى تخفيض موازنة الشرطة التي طبّقتها. صحّة هذا الادّعاء غير واضحة، لكنّ الدفاع عن سياسة تخفيض تمويل الشرطة بينما يرى الأهل أبناءهم يُقتلون، لا يشكل صورة جيدة. غير أنّ سوء تعاملها مع بريكست وقراراتها السياسية السيئة هي التي جعلت حكم ماي مستحيلاً.


فرحة عظيمة... لم تتمّ

مع اقتراب ساعة الحسم بالنسبة إلى "بريكست"، كانت تخسر بشكل ملحوظ دعم حكومتها. وزير خارجيتها وأبرز وجه محافظ مؤيد ل "بركسيت" بوريس جونسون، ووزير "بريكست" دايفد دايفس قرّرا الاستقالة. كانت لدى ماي مشكلة. احتاجت إلى تعيين شخصيّتين جديرتين بالمنصبين في وقت تحافظ خلاله على التوازن بين معسكري البقاء والمغادرة في الحكومة. تولّى دومينيك راب وهو محافظ بارز وزارة بريكست.

هدأت الأمور قليلاً وكانت ماي قادرة على الاحتفال بنصر عظيم في 14 تشرين الثاني بعد انتشار أخبار حول التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. كان اتفاق الانسحاب برهاناً على أنّ هناك طريقاً لمغادرة الاتّحاد لا يخرق الخطوط الحمراء للمملكة كما يلقى قبولاً من الاتحاد الأوروبي. لم تعمّر الاحتفالات طويلاً. استقال دومينيك راب بعد أقل من 24 ساعة. كانت سلطتها تنهار أمام مرأى الجميع، وكان الاتفاق مكروهاً في جميع زوايا مجلس العموم.


أكبر هزيمة تاريخيّة... الكارثة كتعريف للإرث

علمت ماي أنّ الاتفاق سيواجه خسارة ثقيلة فأجّلت التصويت عليه حتى كانون الثاني الماضي. واجهت أكبر هزيمة في تاريخ مجلس العموم بفارق 230 صوتاً. التصويت الثاني لم يكن أفضل بكثير. هُزمت مرة أخرى في 12 آذار بفارق 149 صوتاً. من أجل أن تحصل على تصويت ثالث ذي صدقية، كانت ماي بحاجة لمساعدة الاتحاد الأوروبي.

خلال قمة الاتحاد في 22 آذار، وافق 27 رئيساً للدول الأعضاء على تمديد المهلة النهائية ل "بريكست" إذا نجح اتفاقها بالحصول على الموافقة البرلمانية، كما قدّموا لها سبيلين للخروج من الفوضى. حتى ذلك لم يكن كافياً لإرضاء مجلس العموم. وصل الأمر بالمشرّعين إلى حدّ محاولة سحب السلطة منها.

للمرّة الأولى في الذاكرة الحية، أمْلت الذراع التشريعية من الحكم كيفية سيرورة الأمور داخل مجلس العموم. كانت النيّة في محاولة إيجاد غالبية لإنتاج بديل عن خطة ماي. لكن لم تكن الأخيرة فقط هي من واجهت مشكلة "بريكست". كان مجلس العموم بارعاً جداً في قول ما يقف ضده لكنه كان فاشلاً في إعلان ما يؤيده.

في نهاية آذار، أعلنت ماي خطوتها النهائية. أخبرت المشرّعين المحافظين بأنها ستستقيل إذا دعموا اتفاقها. لكن لم يكن بإمكان ماي أن تقدّم شيئاً كافياً ليقيها الإذلال النهائيّ، بما أنّ حزبها حاول تغيير قواعده الخاصّة لإجبارها على مغادرة منصبها. وأنهى ماكدجي مقاله كاتباً أنّه من الصعب التفكير بسياسيّ آخر سيكون إرثه معرّفاً بالكارثة إلى هذا الحدّ.

لوحة سمير تماري: "التحليق فوق العقبات"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard