صناعة الحكايات وأسرار اللاوعي الجمعي الأوروبي في متحف جنيف

26 أيار 2019 | 11:23

المصدر: "النهار"

معرض "صناعة الحكايات".

افتتح أخيرا في "متحف الإتنوغرافيا" في مدينة جنيف معرض متميز حول فن الحكاية تحت عنوان "صناعة الحكايات"، وهو رحلة في عالم حكايات القارة الأوروبية ودلالاتها الإتنولوجية التي تشكل خصائص الثقافات المتنوعة.

الحكاية هنا هي صورة للمخيلة الجماعية وعلاقتها بالواقع وتطلعاتها وأحلامها. والحكايات التي كانت ذات طابع شفهي على مر العصور وتوارثتها الأجيال، تحوّلت مع الوقت إلى مادة أدبية عند الكثير من الكتاب ومنهم الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين مع حكاية "الصياد والسمكة الذهبية". وهذا يدل، كما أكدت لنا المشرفة على المعرض فيديريكا تاماروزي، أنّ "الحكاية ليست موجهة فقط إلى الأطفال بل هي أيضا حاجة روحية عند الراوي نفسه وعند البالغين لأنها تفتح منافذ جديدة وتخفف وطأة الواقع اليومي". حتى حكاية سندريلا التي تحولت إلى مادة فنية في الأدب والسينما والموسيقى والمسرح والرقص، تكشف حاجة البشر إلى أجنحة الخيال الذي يساعدهم على تدجين الواقع. وحين تنطوي الحكاية على مشاعر خوف وعنف وليل أسود وغابات متشابكة الأغصان، لا تقع في الرعب العادي لأنها تعرف كيف تأخذه في اتجاه الغرابة والدهشة كحكاية "ذات القبعة الحمراء" على سبيل المثل المعروفة شرقا وغربا التي اشتهرت في العالم العربي تحت اسم "ليلى والذئب".

من أهداف المعرض أن يبين لزواره أنّ أثر الحكايات لم يقتصر على التربية والتلقين، وإنّما ذهب أبعد من ذلك ليتحول إلى مادة يستوحي منها الكتاب والفنانون، ويرتكز عليها في بعض الأحيان علماء النفس أنفسهم لأنها تكشف عن جانب من هذا اللاوعي الجماعي. ومن هنا يبرز بعدها الاتنولوجي والأنتروبولوجي الذي عرف المعرض كيف يوظفه ويظهر خصائصه المتنوعة من خلال سينوغرافيا مبتكرة تكشف عن مكوّنات المعروضات المرتبطة بأحداث الحكايات.

نحن هنا أمام أعمال تتراوح من جهة بين ما أعد خصيصا للمعرض على يد فنانين مبدعين في مجال المسرح والرسم والتصميم، ومن جهة أخرى تطالعنا القطع القديمة من مجموعة المتحف ومتاحف اخرى ومنها الأقمشة والأقنعة والأواني المعدنية والخزفية وقطع الأثاث وطبعات أولى من كتب ومخطوطات ومنها كتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول طبع في لندن عام 1865.

كل هذه التحف موجودة أمام الزائر في إطار مسرحي استخدمت فيه أحدث التقنيات السمعية والبصرية. صحيح أنّ المعرض يركز على الحكايات الأوروبية، لكنه لا يغفل في الكاتالوغ المرافق له، وضع هذه الحكايات في سياقها التاريخي والجغرافي العام. كأن يشير إلى مراكز توثيق لحكايات الشعوب والحضارات المختلفة وتفاعلها عبر العصور وانعكاسها على الأدب. مثال على ذلك حكاية سنسكريتية من القرن الثاني الميلادي نقلت إلى لغات عدة منها العربية والفارسية لتصل أخيرا إلى #أوروبا. في هذه الإطار أيضا تحضر حكايات "ألف ليلة وليلة" التي نقلها إلى الفرنسية في القرن الثامن عشر المستشرق الفرنسي أنطوان غالان والتي طبعت المخيلة الأوروبية منذ صدورها.

يأتي معرض "صناعة الحكايات" ضمن سلسلة من المعارض الموقتة التي يقيمها باستمرار "متحف الإتنوغرافيا" منذ إعادة افتتاحه عام 2014 بعد تشييد صرحه الجديد. يعدّ المتحف، الذي تأسس مطلع القرن العشرين بفضل جهود عالم الأنتروبولوجيا الشهير الراحل أوجين بيتار، من أعرق متاحف مدينة #جنيف وهو يتميز اليوم بعمارته الحديثة المفتوحة على المستقبل ومراعاته لقواعد العرض العصرية لإبراز مجموعته النادرة المكوّنة من نحو ثمانين ألف تحفة فنية من جميع القارات وتختصر ملامح أساسية من الثقافات الإنسانية عبر العصور قبل هيمنة الثقافات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة التي وحّدت الشعوب وساهمت في القضاء على الخصوصيات المحلية.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard