"سيّدات القمر" للعُمانيّة جوخة الحارثي: ملحمة عتيقة هاربة من التأريخ

23 أيار 2019 | 12:12

المصدر: "النهار"

رواية "سيدات القمر".

فازت الترجمة الإنكليزيّة لرواية "سيّدات القمر" للأديبة العُمانيّة جوخة الحارثي الصادرة بنسختها العربيّة عن دار الآداب اللبنانيّة بجائزة "مان بوكر" العالميّة 2019.

تغوص الحارثي في أغوار المجتمع العُماني وأحواله من خلال أربعة أجيال عاصرت أحداثًا سياسيّة واجتماعيّة مختلفة نتج عنها العديد من الانقلابات المحوريّة في شخصيّة الفرد العماني. رواية غنيّة بتفاصيل الحياة وهمومها اليوميّة صبّتها الكاتبة بأسلوب مشوّق حكواتيّ اقترب من سرديّة القصص القصيرة إذ جزّأت الحارثي الرواية إلى فصولٍ تراوحت بين الصفحة الواحدة والعشر صفحات أحيانًا.

قد تكون قراءة العمل متعبة لكثرة شخصيّاتها وتشابك الوقائع على مدار أكثر من مئة سنة من الانتصارات والهزائم. تتناول الحارثي مشكلة الرقيق وتجارته في السلطنة من خلال العديد من الشخصيّات، كشخصيّة عنكبوتة وابنتها ظريفة وكيف يتمّ استغلال المرأة جسديًّا وجنسيًّا من المملوكين. وتتعمّق في العادات والتقاليد الشعبيّة للطبقة غير المتعلّمة التي تعتاش على الخرافات والسحر والشعوذة وأفكارٍ بالية توارثتها النساء على مدار السنين. فمثلًا، وفقًا للرواية، تعتقد بعض النسوة أنّ المرأة تصبح نجسة بعد أن تضع مولودها فعليها الانعزال تمامًا عن العائلة وعدم مجالسة أفرادها إلى طاولة الطعام حتّى تتمّ فترة النفاس. في أحد الفصول تذكر أنّ وضع الحجر الساخن على بطن المرأة بعد الولادة يساعد على شدّ المنطقة وحمايتها من الترهّل. تأخذنا الحكايات العديدة في الرواية إلى أحاديث النسوة وهمزهنّ ولمزهنّ في ما يخصّ الزواج وتحضير العروس قبل ليلة دخلتها، ما يخلق جوًّا أليفًا بين الكتاب والقارئ يجعله يسمع الحواديت بألسنتهنّ ويشاهدها بعيونهنّ ومن هنا أتت تسمية الرواية بسيّدات القمر إذ يعشن عالمهنّ الخاص البعيد عن الواقع.

يبرز بعد جيل "سيّدات القمر" جيلٌ جديدٌ من النساء، ميا وخولة وأسماء، وهنا تبدأ المقارنة الفعليّة بينهنّ وبين جيل أمهاتهنّ اللاتي يؤمنّ بعدم قصّ أظفار الأطفال، فمن تُقصّ أظفاره يصبح لصًّا! هذا الجيل مختلفٌ تمامًا عنهنّ، فأسماء، مثلاً، تقرأ الكتب رغم كونها لم تنهِ تعليمها، وخولة ترفض الزواج مصمّمةً على انتظار ابن عمّها المهاجر إلى كندا منذ سنوات، وميا تربّي أولادها بالطريقة التي تعتقد أنّها الأفضل دونما تدخّلات من أمّها.

لغة الرواية بسيطة، يتخلّلها العديد من الكلمات العُمانيّة، ما يقرّب الصورة الروائيّة للحدث. تستعمل الكاتبة كلمات مثل الروزان وهي حُفر في الحائط تُزيّن بالتحف والزهريّات، والطنافس وهي عبارة عن بُسط تُفرش في المنازل، والمندوس وهو صندوق كبير لوضع جهاز العروس. ناهيك بالأمثال الشعبيّة العُمانية التي حرصت الكاتبة على استحضارها في أغلب فصول العمل ومنها: "اللي يودّك ودّة واللي يبغاك ابغيه" بمعنى، من أرادك أو العكس فقابله بالمثل، وقولها" اعط المريض شهوته والمعافي الله".

صورٌ جماليّة ولغة مُبهرة وأسلوب سلس. تشعر كما لو أنّك تقرأ ملحمة عتيقة هاربة من كتب التأريخ. يقول الناشر عن العمل: هذه الرواية تتناول تحوّلات الماضي والحاضر وتجمع بلغة رشيقة بين مآسي بشر ينقصهم شيء، ومآسي آخرين ينقصهم كلّ شيء. جوخة الحارثي كاتبة وأكاديميّة من سلطنة عُمان من مواليد 1978. تُرجِمت أعمالها إلى لغات أجنبيّة عدّة. صدرت لها ثلاث مجموعات قصصيّة منها: "صبيّ على السطح" عن "دار أزمنة للنشر والتوزيع" عام 2007. لها في الرواية: "منامات" عن "المؤسّسة العربية للدراسات والنشر"، ورواية "نارنجة" 2016 عن "دار الآداب" والفائزة بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والكتاب.

سرّ تحضير كرات الشوفان بالموز والكاكاو... خلطة سحرية لأطيب حلوى!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard