نحو الأفضل...

22 نوار 2019 | 10:28

المصدر: النهار

قد ارتدت القميص الّذي تلبسه في النّزهات عوضًا عن الزيّ المدرسيّ.

راحت عقارب السّاعة تحبو ببطء نحو السّاعة السّابعة، وما إن وصلتْ إلى وجهتها حتّى راح المنبّه يرنّ بصوت عالٍ، فهبّت نهى من نومها فزعة وأخذت تلهث بشدّة، فقد كانت تعاني من الكوابيس المرعبة في الآونة الأخيرة. إلّا أنّها سرعان ما استسلمت للنّوم غير آبهة بتأخّر الوقت.

فجأة سمعت صوت أمّها يناديها: "نهى، نهى، استيقظي يا نهى، الحافلة تنتظرك!". هبّت نهى من نومها مرّة أخرى ولكن بحالة هلع هذه المرّة، فهي تدرك عاقبة الوصول في وقت متأخّر إلى المدرسة، وإن فاتتها الحافلة نالت عقابًا شديدًا.

غسلت وجهها على عجل، ونظّفت أسنانها لمدّة لا تزيد على تسع ثوانٍ، ثمّ ارتدت ملابسها. إلّا أنّها عندما وقفت أمام المرآة، وجدت بأنّها قد ارتدت القميص الّذي تلبسه في النّزهات عوضًا عن الزيّ المدرسيّ.

وبينما هي تبدّله تركتها الحافلة. وضعت بضع لقمات في فمها، وانطلقت نحو المدرسة مشيًا على الأقدام، وقد كانت تعلم أنّها بحاجة إلى أكثر من ساعة للوصول، فبدانتها وزيادة وزنها يمنعانها من الحركة براحة وخفّة. وطأت قدماها المدرسة بعد سبعين دقيقة من العناء، ثمّ دخلت صفّها متجاهلة المعلّمة والرّفاق، وانهارت في مقعدها. "وصل الدّبّ الكسول أخيرًا!"، قالها أحد التّلاميذ، فتعالت ضحكات الرّفاق الّذين سرعان ما أسكتتهم المعلّمة. "نهى"، قالتها بنبرة حادّة، "إنّها المرّة العاشرة الّتي تتأخّرين فيها وتفوتك الحصّة الأولى، إذا استمرّ الوضع هكذا سأضطر إلى إبلاغ المدير، وأنت تدركين عواقب هذا الإجراء".

كلمات وقعت على مسامع نهى وقوع الصّاعقة. أكملت الحصص الأولى ورنّ جرس الفسحة، فأسرع التّلاميذ إلى الملعب حيث اتفّقوا على إزعاج نهى وإهانتها، وذلك بترداد كلمة "النّاصحة" على مسامعها، لكنّها لم تكن في الملعب، فقد كانت مجبرة على تنظيف الصّفّ عقابًا لها. وبعدما علمت بما يخطّط له الرّفاق، لم تعبأ بذلك، فقد اعتادت على إهاناتهم الّتي لم تعد تعني لها شيئًا.

مرّت الدّقائق ببطء شديد، فكأنّ السّاعة تساوي دهرًا، إلى أن رنّ الجرس معلنًا نهاية الدّوام المدرسيّ. عادت نهى إلى منزلها منهكة، وفتحت باب المنزل حالمة بصحن مليء بقطع الدّجاج والبطاطس المقليّة، والمشروبات الغازيّة. إلا أنّها أحسّت بهدوء كبير يسيطر على المنزل، لكنّها لم تبالِ لشدّة جوعها، فرمت حقيبتها وهرولت إلى المطبخ... ولكن تحطّمت أحلامها، فلم تجد سوى طبق سلطة كبير على الطّاولة ورسالة صغيرة إلى جانبه كُتب فيها: "عزيزتي نهى، جدّتك في المشفى وقد ذهبت لأبقى إلى جانبها، ولم يتسنّ لي الوقت لإعداد الطّعام الّذي تحبّينه، أمّك المحبّة".

أطلقت تنهيدة حزينة، ورفضت أكل السّلطة، لكنّ الجوع أخذ منها مأخذه، فاستسلمت وراحت تأكل بلا شهيّة. صدّقوا أو لا، لقد أعجبتها السّلطة، وسرعان ما وجدت نفسها تعدّ طبقًا آخر تضع فيه ما لذّ وطاب من الخضار وتضيف إليه بعض اللّيمون الحامض والخلّ والملح.

ومع مرور الوقت تبدّل النّظام الغذائيّ لنهى وتحسّن، وقد لاحظت أمّها ذلك فشجّعتها على تناول الفاكهة، إضافة إلى تناولها الأطباق الصّحيّة الّتي تعدّها والدتها.

لاحظت نهى تغيّرًا في بنيتها الجسديّة، فقد صارت أكثر رشاقة، كما أنّ ثيابها باتت واسعة، فبدأت بممارسة الرّياضة حتّى خسرت من الوزن الكثير وأضحت رشيقة نحيفة، لا تخجل من اختيار الثّياب في السّوق ولا من تعليقات رفيقاتها الّتي ذهبت واختفت، لقد غيّرها طبق السّلطة.


نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard