المراوحة السلبيّة بين واشنطن وطهران... لماذا قد لا تنتهي قريباً؟

20 أيار 2019 | 15:26

المصدر: "النهار"

مجموعة من الفرقاطات والمدمّرات المرافقة لحاملة الطائرات "يو أس أس أبراهام لينكولن" - "أ ف ب"

ليست الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة سنة 2020 العامل الوحيد الذي قد يسمح بإطالة أمد التوتّر بين واشنطن وطهران بالرغم من أهمّيّة ذلك الاستحقاق. وضع نقّاد كثر استراتيجيّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات على مشرحة التدقيق فتوصّلوا إلى وجود ثغرات فيها تحجّم فاعليّتها. لكن بالمقابل، لا يمكن إنكار أنّ هنالك جوانب من الاستراتيجيّة، أو من خطّة عمل الإدارة، تؤتي ثمارها عن طريق ممارسة "الضغط الأقصى" على إيران. بالتالي، قد لا يكون بالإمكان استبعاد دخول الطرفين في لعبة توازن شديدة التعقيد، لكنّها في الوقت نفسه غير عصيّة على الاختلال. 

"النهاية الرسميّة"

أعلنت طهرن وواشنطن أنّهما لا تريدان الاصطدام العسكريّ. لكنّ التوتّر في الخليج قد لا يجعل التزامهما بهذا الهدف أمراً مستداماً، خصوصاً أنّ العمليّات التخريبيّة الأخيرة استهدفت مناطق بعيدة عن مضيق هرمز في إشارة إلى أنّ البديل عن هذا المضيق لتصدير النفط لن يكون آمناً.

وسقوط قذيفة كاتيوشا أمس في المنطقة الخضراء بالقرب من السفارة الأميركيّة تصعيد أمنيّ جديد أتى بعد أيّام قليلة على إخراج واشنطن ديبلوماسيّيها غير الأساسيّين منها بناء على معلومات أمنيّة. من جهته، عاد ترامب ليحذّر إيران من تهديد الولايات المتّحدة كاتباً في تغريدة أنّها إذا أرادت الحرب "فستكون نهايتها الرسميّة". وشدّد لاحقاً في مقابلة مع "فوكس نيوز" أنّه لا يريد حرباً مع إيران لكنّه لن يسمح لها بامتلاك السلاح النوويّ.

عبارة "النهاية الرسميّة" لإيران دفعت البعض إلى انتقاد ترامب على أساس أنّه لم يفرّق بين النظام والإيرانيّين. غرّدت العالمة السياسيّة في مؤسّسة "راند" للأبحاث آريان طبطبائي "أنّنا اتّخذنا بضع خطوات للأمام الأسبوع الماضي حين أشار الرئيس بوضوح أنّه كان مستعدّاً للتحدّث إلى إيران. نحن نتّخذ الآن خطوات إلى الوراء مجدّداً، مقلّلين أيّ احتمال للمحادثات." وأضافت: "ما هو أكثر إثارة للقلق مع ذلك، أنّ هذا يقوّض جهود الإدارة للوصول إلى الشعب الإيرانيّ".

قد يكون يكون الحديث عن إنهاء دولة برمّتها مثيراً للقلق وحتى الغضب لدى الإيرانيّين معزّزاً ربّما التفاف القاعدة الشعبيّة حول القيادة بنسب غير واضحة. لكنّ تهديد ترامب لإيران ليس جديداً، بل جاء أمس أقلّ حدّة من التهديد الذي وجّهه للرئيس الإيرانيّ حسن روحاني في تمّوز الماضي، حين غرّد: "إيّاك مطلقاً، أبداً، أن تهدّد الولايات المتحّدة مجدّداً أو ستعاني من عواقب تشبه تلك التي سبق لقلّة فقط عبر التاريخ أن عانت منها قبلاً. لم نعد بلداً يتحمّل كلماتك المختلّة حول العنف والموت. كن حذراً". وكان روحاني قد حذّر ترامب قبل ذلك قائلاً: "لا تلعب بالنار لأنّك ستندم".

قد لا يعني تهديد ترامب أمس الشيء الكثير على مستوى إضافة التوتّر لأنّ العالم يكاد يصبح معتاداً على التصريحات الناريّة للرئيس الأميركيّ. في السابقن أنتجت هذه التصريحات مفاعيلها فوجّهت كيم إلى الحوار مع الولايات المتّحدة قبل أن يتعرقل مؤخّراً. يشير ذلك إلى أنّ نبرة الرئيس الأميركيّ تتمتّع بحدود في دفع الخصوم إلى التنازل.

هامش المناورة الإيرانيّة

منذ يومين، كتب دايفد سانغر في صحيفة "نيويورك تايمس" مقالاً أوضح فيه أنّه "منذ سنة تقريباً، والسيّد كيم لم يتوقّف قطّ عن إنتاج المواد النوويّة، ومن المحتمل أسلحة نوويّة، وفقاً لتقارير استخباريّة أميركيّة. لا شكّ في أنّ الإيرانيّين لاحظوا (ذلك)". بغضّ النظر عن خطأ حسابات محتمل، لا يريد ترامب خوض مواجهة عسكريّة مع إيران، تماماً كما هي النيّة لدى القيادة في طهران. بالتالي، إنّ تهديداً أميركيّاً من دون إقرانه بمواجهة عسكريّة ولو محدودة قد يعطي إيران حرّيّة حركة، ولو بشكل محدود تفادياً للوقوع في خطأ ذي تداعيات خطيرة.

علاوة على ذلك، إنّ عمليّات استهداف "مضبوطة" في الخليج ضدّ المصالح النفطيّة أو الأميركيّة من دون ردّ واشنطن تظهر إيران في موقع المتحدّي من دون مواجهة عواقب حقيقيّة من جانب الولايات المتّحدة التي حذّر مسؤولوها من الردّ على إيران مباشرة في حال استهدف وكلاؤها مصالحها. لكن بالمقابل، تعرف طهران حدود مناوراتها. فإذا تراجعت عن تنفيذ عمليّاتها العسكريّة المحتملة في الخليج، وهو أمر مرجّح إذا أرادت عدم المبالغة في استفزاز ترامب، فإنّ البدائل المتاحة أمامها ضئيلة هي الأخرى.

يرى جايكوب شابيرو من موقع "جيوبوليتيكال فيوتشرز" أنّ حتى إدارة روحاني قد تحمل آمالاً سرّيّة بأنّ برنامج أسلحة نوويّة لدى إيران قد يولّد نفوذاً تفاوضيّاً لدفع واشنطن إلى اتّفاق معها على قاعدة براغماتيّة. وتابع: "لقد جلب برنامج أسلحة إيران النوويّة الحكومة الأميركيّة إلى طاولة المفاوضات مرّة، ربّما قد تجلبها إلى الطاولة مجدّداً". شابيرو الذي يجد أنّ واشنطن خرقت الاتّفاقات وفرضت العقوبات ونشرت حاملة طائرات في المنطقة، أشار إلى أنّ على إيران أن تقلب التوازن بطريقة ما "والتهديد باستئناف برنامج أسلحتها النوويّة هو كلّ ما لديها".


خيارات محدودة لدى الطرفين؟

لكنّ السؤال الأساسيّ قبل أن يتمحور حول معرفة ردّ الفعل الأميركيّ حول هكذا سيناريو، سيُطرح بشأن ردّ الفعل الأوروبّي واحتمال خسارة طهران شراكتها مع بروكسل. وقالت وزيرة الدفاع الفرنسيّة فلورانس بارلي ردّاً على إمهال روحاني دول الاتّفاق 60 يوماً لتنفيذ تعهّداتها بحماية القطاع النفطيّ والمصرفيّ في إيران تحت طائلة استئناف تخصيب اليورانيوم، إنّ ذلك قد يجعل مسألة إعادة تفعيل العقوبات مطروحة. حتى وزارة الخارجيّة الصينيّة قالت إنّ كلّ الأطراف مسؤولة عن ضمان تنفيذ الاتّفاق النوويّ.

تراجعُ إيران عن بعض قيود الاتّفاق النوويّ أو لجوؤها إلى السيناريو الكوريّ الشماليّ بخوض تجارب صاروخيّة أو استئناف العمليّات العسكريّة المتفرّقة عبر وكلائها لا تبدو خيارات منتجة عدا كونها خيارات خطرة. بالمقابل، بات الخطاب الأميركيّ معروفاً بالنسبة إلى الإيرانيّين بحيث لا تملك واشنطن فعليّاً سوى مواصلة سياسة "الضغط الأقصى" عبر العقوبات بعيداً من أيّ عمل عسكريّ. بالتالي، إنّ ديمومة هذه المراوحة السلبيّة لمدّة أسابيع أو أشهر لم يعد مستبعداً... بانتظار حدث قصديّ أم عرضيّ قد يكسر تلك المراوحة، للأفضل أو حتى للأسوأ.

"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard