من الأصوليّة الدّينيّة إلى رحلة البحث عن الذات بين الرواية والقصة في سيزيف الاخير

18 أيار 2019 | 09:14

المصدر: النهار

تعانق نسائم الحرية

نقرأ رواية "سيزيف الأخير" الصادرة أخيراً للأديبة وداد رضا الحبيب، فلا ندري إن كنّا نقرأ رواية أو أقصوصة أو الاثنين معاً. المؤكد لدينا أن عملية القراءة ما تفتأ تطرح هذا السؤال ذا البعد الاجناسي. فالكاتبة قد جعلت لروايتها فصولاً، وكل فصل يمكن أن يُنشر على حدة، وما خلناه بنيةً واحدة سردية هو في الأصل بنيات متعددة لشكل أقصوصي. وبين الأقصوصة وبين الرواية هناك حركة ذهاب وإياب في شخصية امرأة تعدّ بطلة هذه الرواية، وهي امرأة بدأت طفولتها وصباها وشبابها منتمية إلى عالم الأصولية والأصوليين، سواء في لباسها أو في خطابها أو في علاقاتها... وستتحرّر من هذه الأصولية من خلال عالم الأدب والأدباء، ومن خلال نَظمِ علاقات جديدة مع من يهديها الكتب ويدعوها إلى الكتابة لتضع جانباً كل المعتقدات ذات الصلة بالدعوشة والأصولية، ولتعانق نسائم الحرية من خلال عملية الكتابة ذاتها.

الكتابة تَحرّرٌ وخلاص وتطهير... هذا ما يمكن أن نستوحيه من قراءة "سيزيف الأخير"، ولكن قبل الوصول إلى هذه الخاتمة الخلاصية لا بد للقراءة أن تتبع مسيرة هذه الشابة التي رأت العالم من خلال الأصولية والتطرف. فهي لبست حجابها، وحجابها ذاك هو إعلان بدخولها إلى عالم محكوم بالضديّة المطلقة والراديكالية بين الحلال والحرام... بل إن مساحة الحرام والتحريم تتمدد أكثر، ولذلك لم تكن لهذه الشابة أيّة علاقات مع الرجال حتى في فضاء الكليّة الذي هو في الأصل فضاء للتجارب وللتبادل الوجداني والشعوري والعلمي. تبدو هذه الشخصية وكأنها مقدودة من الحديد لا تتأثّر بالمحيط وكل همّها أن تطلّ بالحجاب، وعلى ضوئه حكمت على العالم.

الطفولة لهذه الشابة مادة غنية للتحليل النفسي، ولذلك فإنها أنفقت أوقاتها وهي طفلة وفي بداية المراهقة في قراءة كتب عذاب القبر، وفي الاختلاء بنفسها بالمقبرة، وغير ذلك من الأفعال التي تدفعها بوعي أو لاوعي نحو الدّعوشة. هذه الدّعوشة التي ترسخت أيضاً بالزّواج المبكّر من رجل لم يهبها الحب والأمان والاخلاص، بل روّض مشاعرها الدّينية من أجل التقرّب منها. ولكن ما يحسب للأديبة وداد رضا الحبيب أنها نفذت إلى العالم السرّي لهكذا شخصيات، كما أنها اهتدت إلى مسالك التحرّر من الدّعوشة بطريقة يكون فيها الارتداد إليها أمراً مستحيلاً.

إنّ هذا النص الرّوائي الذي يلوّح ذا بنيتين: الرواية والقصة. يكشف لنا عن أديبة منخرطة في أكثر الشّؤون حساسية في هذه العشريّة والمتّصلة بتكوّن ونشأة الدّعوشة في العقول والنّفوس والنّوايا. وهذا ما يطرح السّؤال الإشكالي الكبير: هل الدعوشة أصل تكويني في الإنسان ويتسرّب مفعولها إلى لاوعيه بمجرد أيّة صدمة باطنية أو خارجية؟ أم أن الإنسان دفاعات خارجية وعرفانية تحميه من الوقوع في هذا المصير الذي تنكره كلّ الشرائع والقوانين؟

بقي أن نشير إلى أنّ نهاية الرّواية تقتضي اشتغالاً أكثر من لدن الكاتبة لأن الكثير من الأسئلة المتصلة بهذا النص ظلّت بلا أجوبة. وهو ما أجابت عنه الأديبة بأنّ "سيزيف الأخير" هو الجزء الأوّل من مجموعة روائيّة / قصصيّة ستنشر تباعاً.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard