ناسك الحريّة...

16 أيار 2019 | 19:17

المصدر: "النهار"

البطريرك صفير.

رغم استعفائك من سدّة البطريركية أيها البطريرك الدائم، إلا أن الطمأنينة التي كنت تبثّها في النفوس بمجرد ابتسامةٍ أو إطلالة منك، أو لمجرد علمي بأنك ما زلت ترفع الصلوات من صومعتك إلى رحاب السماء، هذه الطمأنينة يا ساكن السماء حصّنتنا في تلك الأيّام البائسة...

هذا كان كافيًا يا سيدي لأن أشعر بسعادة الطفل وفرحه لعلمه بأن والده حاضرٌ لأجله بكلّ ما أوتي من محبّة...

هذا كان كافيًا لي يا سيدي لأن أتكلم عن المارونية بكل طلاقةٍ، لأني كنت أعلم بأن المثل والمثال يمثلُ أمامنا نابض القلب على إيقاع تاريخنا العريق...

هذا كان كافيًا لدحر كلّ أشكال الذلّ والذميّة وخنوع الواقعية.. وأيضاً لصفع ما فينا من رواسب الاستهلاكية ومن كبرياء السلطة وبروتوكولات الصفوف الأماميّة...

هذا كان كافيًا أيها الكسروانيّ لترسيخ صخور قنوبين والعاقورة وإيليج وزهد مارون وجرأة يوحنا مارون وفدائية الحدشيتي وحجولا، ووطنيّة الحلتويّ والبشرّاني، وعلم الهدنانيّ والحصرونيّ، وقداسة البقاعكفري والحرديني ومجّانيّة الغزيريّ والتنّوريّ... كنت كافيًا لترسيخ كل هذا الميراث في النصوص والنفوس...

كنت كافيًا لوضع محراث اللحفدي في النفوس الوعرة ولإنارة عميان القلوب ببصيرة الحملاوية...

كنت كافيًا لتوجيه عواصف الحريّة على ضمائرنا، لنعود إلى الاهتمام بالمطلوب الواحد ولنبذ الأشياء الكثيرة السخافة...

اليوم يا سيّدي لا دمع يكفي... والدمع ليس عليك، بل علينا...

نبكي ما أصابنا من يُتمٍ في غيابِك، ونبكي لنغسل ماضينا من سوء ظنوننا بك، ومن جرأتنا على وداعتك وطيبتك...

اليوم نحمل عقد ذنوبنا إلى التابوت لتحلحلها قبل أن تعبر إلى الملكوت...

اليوم نطلب منك أن تشلح مشلحك وجبَّتَك علينا لكيما يصيبنا سهمٌ من روح النبوءة التي حملتها، فلا ننقطع من رجال الله بيننا...

اليوم نفرح أيضا لأن قلوبنا معك وكلّك في الله، ولأنّك فيه فقلوبنا عنده...

له المجد إلى أبد الآبدين، ولك فرح القيامة والقداسة ولنا شفيعٌ جديدٌ يذكرنا اليوم أمام عرش الحمل...


سناكات صحية بين الإفطار والسحور

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard