كنت أقف أمام آخر خطوة

14 نوار 2019 | 12:55

الخطوة الأخيرة (تعبيرية).

يتهامسون في ما بينهم، ينعتونه بكلمتهم المشهورة: "لتلات".

كما في كل مرة، يفصّل ما يجول في خاطره ويتحدث عن حلم سيبدأ بتنفيذه، عندما يلتفت ليجيب عن سؤال أحدهم حول أمر مرتبط بما يتكلّم عنه، ينتهزونها فرصة ليسخروا، فأحدهم يمدّ يده مشيراً إليه مومئاً برأسه ليدلّ على سفاهة حديثه، فمشاريعه كثيرة ولم ينفّذ منها شيئًا.

هو يسير في عجلة أحلامه ويتذوق جرعات عالية من الأمل بالنجاح، وهم بجانبه يسخرون، ليس خطأهم ما هم فيه من اللغو بل خطأ عدم سير الأحلام التي يرسمها في مسار، وعنيت ما قلته، فما سارت أحلامه في مسار أبداً، وكلما خطّط وجهّز وأراد الدخول عاكسته الظروف، وغالباً ما تعاكسه الماديات، فهو رهين لها، ولم يذلّ نفسه يوماً ليطلب أو يرتهن لمن يذلّه ويفرض عليه شروطه، وبالحقيقة هو يخشاها لأن قدمه زلّت مرة ولن يُلدغ من جحر مرتين.

يحدثهم ويسألونه حول التفاصيل، وفي إحدى هذه الجلسات أشار إلى مشروع في رأسه هيّأ له جميع الترتيبات ليدخل به. وبدأ أحد الذين يهزأون منه يستجوبه لأن ما يطرحه خريطة نجاح، ففهم كل تفصيل حتى وصل إلى العناوين.

اكتملت السهرة، ولكن قلّت الإيماءات والهمسات، تفاجأتُ، وتابعت تفاصيل لغات الأنفس، وكأن النفوس يسيل لعابها لتنفيذ تفاصيل ما خطط له. أتأمل وجوههم الساخرة في كل مرة، المنصتة هذه المرة، أتأمل ما تخبئه الأنفس في لجاجة صدرها، وكأني فهمت، ولكن إنّ بعض الظنّ إثم.

المشروع رسم خطاه إلى عقل ذلك الطالب، التفاصيل، المستهل، الشروع بالتنفيذ.

النار تأكلني لأني أرى فتائل السرقة بدأت تشتعل، وإن سرقة فكرة ما هي إلا سرقة مستقبل، تعيّنت اللحظة المناسبة لخوض حديث مع ذلك الحالم، وقد ساهمت أجواء الوجود بخلق خلوة بيني وبينه فسألته:

– لمَ في كل مرة تطرح كل ما يجول في صدرك؟!

فاجأتني إجابته:

– لأني لا أستطيع أن أخبّئ ما يفرحني عمن أحب، فهي فرحة وأحب لهم أن يفرحوا بما يفرحني.

لم أكن أريد استكمال حديثي لأني سأبوح بما استنتجته، فإني أرى لعاباً يسيل في استغلال كنز الخيال هذا، ولا أريد كسر السور الذي يمدّ الأحلام بالأمان، وقد أوقفني وقع أقدامهم وهم يقتربون، فحلّ الصمت محلّه.

وأعادت الأيام جدولتها للسهرات، ولكن بعض التفاصيل تغيرت؛ لم يعد سامي يتحدث، تغيّر، بات شخصاً جديداً غير الذي أعرفه، انتظرت استئذانه الرحيل، فخرجت بإذنه لأسايره وأفهم سبب هذا التغيّر، هل بات شخصاً جديداً بعدما حقّق ما هدف إليه، هل تحقيق الأحلام يغيّر الطباع؟

– سامي، أراك متغيراً، لم تعد تحدّث بخواطرك وأحلامك، يبدو أنك تنفّذ مشروعك.

– بالحقيقة مشروعي يُنفّذ.

– جميل، وهل يسير كما كنت تأمل؟

– آمل ذلك ولا أضمر أي شر.

أدخلتْ كلماته المموّهة العجب إلى قلبي، ولم أفهم كنه الكلمات.

غدرتني المسافة ووصل إلى وجهته قبل أن أتمّ مبحثي، فتاهت أفكاري، ولم تنقضِ ليلتي، وصار الصراع بين الأحلام والأوهام يطاردني، انتظرت شروق الشمس لأفهم، وكأن غايتي في الحياة باتت في فهم مكنونات ما رمى إليه سامي.

زرته في بيته لأفهم، باغته بسؤالي عندما أطل مرحّبا بي:

– هل تحقيق الأحلام يغيّر الإنسان؟

تعجّب، وبدت ملامح العجب على وجهه، ولكنه فهم ما أرمي إليه، فالخجل بدا بثوبه المخفي، جلس وتنهّد تنهيدة مؤلمة، الغاية منها تبريد آثار الجرح، نظر إلىّ:

– أنا لم أتغير، ولا تغيّرني الظروف، وسأظل كما أنا، وما صمتي في جلساتنا الليلية إلا لأحفظ ماء وجهه.

– سامي أرجوك أوضح، فألغازك سرقت ليلتي وأفكاري.

– مشروعي يُنفّذ، وأنا واثق بأنه سينجح، وما صمتي إلا لقتل الإحراج.

– إحراج مَن يا سامي أفهمني؟

– صديقي، مشروعي بتفاصيله ينفّذه جميل، بكل تفصيل لم يغب عنه شيء، وأنا مسرور.

– مسرور!

– نعم، مسرور، لأن نجاحه يعني نجاحي، فأنا من خطّطت ودرست ونسقت، وهو من نفّذ بالتفاصيل خاصتي.

– ولكنه سرق فكرتك وتعبك!

تردّدت بعدما نطقت تلك الكلمات، وشعرت كأني النمّام في هذا المقام، على الرغم أني لم أنمّ شيئاً، فأنا مجرد سامع لتفاصيل الأحداث.

– لطالما خططت ورسمت ولكني دوماً كنت أقف حيث يجب أن أتابع، كنت أقف أمام آخر خطوة، وهو تجرّأ ونفّذ.

– هل استأذنك؟

– لم يستأذن.

– وكيف عرفت أنه ينفّذ؟

– هممت بالتنفيذ، ولكن أوقفني وجوده في تفاصيل العناوين

– ولمَ لم تواجهه؟!

– لن أواجهه، وسأترك نجاحه يثمر، ولن أعكر صفو فرحته، فهو صديقي

ما زلت لا أعرف إن كان سامي طيب القلب بلا حدود، أو أنه مجرد رجل بسيط أبله، ولكنني أعلم أن جميلاً كلما سينظر إلى وجه سامي سيطأطئ رأسه خجلاً أو هرباً، ولن يتمتّع بسرد أمجاد نجاحه أبداً.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard