البطريرك المحبوب المكروه!

13 نوار 2019 | 09:15

صعبٌ أن يحب الواحد، أمارونياً كان أم غير ماروني، بطريرك الموارنة مار نصر الله بطرس صفير، في منتصف عمره. لا يمكن أن يقرر الواحد أن يحجم عن هذه المحبة وهو في الخمسين مثلاً. إنها مسألة معقدة. فصفير، عدا كونه رجل دين وقائداً من قادة الكنيسة، بطلٌ من أبطال الحرب. إن كان يمكن أن نوجد أبطالاً لم يمسكوا البندقية ولم يقتلوا، أبطالاً حاولوا إنهاء الحرب. بمعنى آخر، تماماً كما يولد الواحد في عائلة تحب بشير الجميل، فيرث حبه، هكذا أيضاً قد يولد الواحد في عائلة تحب صفير، فيحبه. ثمّ يفهم مع الوقت، أو لا يفعل. 

قالت أمي صباح اليوم: "مات البطريرك". سألتها: "الراعي؟". كان رأسي مشوشاً من ليلة مقلقة. قالت: "البطريرك". ثم أضافت: "صفير". وذهبت إلى الكنيسة. البطريرك، إذاً صفير. هذه السيدة مارونية أكثر مما ينبغي، منحازة أكثر من المتوقع.

أول من أمس، طُلب مني أن أكتب نصاً عن سيرة بطريرك الموارنة مار نصر الله بطرس صفير، على أساس أن خبر وفاته سيصدر بين دقيقة وأخرى. لم أستطع أن أكتب أنه "مات". كتبت فقط أنه معنا.

الآن رحل صفير. إنه خبر يستدعي التوقف، قبل أن تدخل البلاد في مزاج الدفن والرثاء. مؤلمٌ أن يرثي الواحد بطريركاً كصفير. أكتفي بالتوقف عند رحيله من دون أي رثاء.

موت صفير إثر وعكة صحية عن عمر 99 سنة، إنه خبرٌ محزن عند من أحبه، غير مهمّ عند بعض آخر، ومفرحٌ لجزء غير قليل من الذين اعتبروا بكركي منحازة ضدهم، أيام صفير، وتنسحب المواقف السياسية على المنطق الديني أيضاً. فالبطريرك الذي لا يوافقنا في السياسة، قد نلغيه دينياً أيضاً، ولا أحد ينسى المقولة الشهيرة "إنت البطرك يا سليمان"، التي هتف بها مؤيدو رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية.

فصفير، بطريرك المصالحة والطائف والمقاومة المسيحية، كان محسوباً على ناس، مرفوضاً من آخرين. وفي لعبة لبنان، السياسة تبيد كل شيء. مرةً، عرفنا أنه يعاني من أزمة صحية خشيت كثيراً من أن يرحل. قالت صديقتي وقتها: "ويموت دخلك"، قالت ذلك بفظاظة قاتلة. دار نقاش مدمّر بيننا، نقاش بلا جدوى، أدركتُ في نهايته ما بدأتُ به هذا النص. محبة صفير لا تأتي بالإقناع، تأتي أو لا تأتي بالدم.

هو البطريرك الذي انتقد "حزب الله" وسلاحه بصراحة، وقاوم من أجل خروج الاحتلال السوي من لبنان. هو البطريرك الذي أيّد رينه معوض رئيساً للجمهورية، فقامت قيامة الحكومة العسكرية بقيادة ميشال عون وقتذاك، فما كان من مؤيديه سوى أن ذهبوا إلى بكركي، وتعرّضوا لسيدها بالإهانات. مع اتفاق الطائف ومنح البطريرك الغطاء المسيحي له، لإنهاء الحرب، وانتخاب معوّض رئيساً، ازداد محبو صفير حباً، وازداد كارهوه كرهاً.

لم أكن ولدتُ أيام الحرب، لكنّ أخبار الاعتقالات والاضطهادات التي طاولت شباناً كثيرين لا تغيب عن ذاكرتي أيام الاحتلال السوري. كان الناس يتهامسون بأصوات خافتة، ويلعنون السوريين بخوف، كانوا يقولون إن في الحيطان مخابرات لسوريا. وكان الشبان يوزّعون المناشير في جامعاتهم، وكان شعارهم "الحبوسة ما بتساع الكل". وحدها بكركي يومذاك كانت في صفّهم.

أذكر أن عظة البطريرك كل يوم أحد كانت آنذاك دواء معظم المقهورين، حتى الذين كرهوه ربما. لأنه بقي يقول "لا"، وبقي يجمع من بقي من القيادات المسيحية المعارضة حوله، وأظنه كان يقول لهم قول المسيح الذي أحبّه: "تعرفون الحق والحق يحرركم". وأخيراً أتى "نداء الألفين" الذي أطلقه مجلس المطارنة الموارنة برئاسة صفير، الذي طالب صراحةً بانسحاب الجيش السوري (السيئ الذكر) من لبنان، بعد 30 سنة من وجوده. وتحقق ذلك في الـ2005، واجتمع الجميع، ما عدا عشاق سوريا، حول أفكار 14 آذار وثورة الأرز، وحول بكركي. وشعرت قوافل "شكراً سوريا" لمرة وحيدة ربما، أنها الحلقة الأضعف.

الكثير من أوراق النعي الكاذبة تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الصباح، مع إعلان وفاة البطريرك صفير (1920-2019). بشيء يشبه قتل القتيل، والمشي في جنازته. ربما في صباح كهذا، يحق لنا أن نحاكم بالنيات!

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard